المسألة الأولى ـ في سبب نزولها : قال الشعبي وقتادة في جماعة من التابعين : إنها نزلت فيمن كان من العرب لا يرضى أن يأخذ بعبد إلا حرّا ، وبوضيع إلا شريفا ، وبامرأة إلا رجلا ذكرا ، ويقولون : القتل أنفى للقتل ، فردّهما الله عزّ وجلّ عن ذلك إلى القصاص ، وهو المساواة مع استيفاء الحق ، فقال : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى). وقال تعالى(١) : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ). وبين الكلامين في الفصاحة والعدل بون عظيم.
المسألة الثانية ـ قال علماؤنا : معنى (كتب) فرض وألزم ، وكيف يكون هذا والقصاص غير واجب! وإنما هو لخيرة الولىّ ؛ ومعنى ذلك كتب وفرض إذا أردتم [استيفاء] (٢) القصاص فقد كتب عليكم ، كما يقال كتب عليك ـ إذا أردت التنفّل ـ الوضوء ؛ وإذا أردت الصيام النيّة.
المسألة الثالثة ـ اختلف الناس في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) (٣) ؛ فقيل : هو كلام عامّ مستقلّ بنفسه ؛ وهو قول أبى حنيفة.
وقال سائرهم : لا يتمّ الكلام هاهنا ؛ وإنما ينقضي عند قوله تعالى : (الْأُنْثى بِالْأُنْثى) ، وهو تفسير له ، وتتميم لمعناه ، منهم مالك والشافعى.
(فائدة) : ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة فقيه من عظماء أصحاب أبى حنيفة يعرف بالزوزنى زائرا للخليل صلوات الله عليه ، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهّرها الله معه ، وشهد علماء البلد ، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر ، فقال : يقتل به قصاصا ؛ فطولب بالدليل ، فقال : الدليل عليه قوله تعالى : ([يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]) (٤) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى.) وهذا عام في كلّ قتيل.
فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي ، وقال : ما استدلّ به الشيخ الإمام لا حجّة له فيه من ثلاثة أوجه :
أحدها ـ أن الله سبحانه قال : كتب عليكم القصاص ، فشرط المساواة في المجازاة ، ولا مساواة بين المسلم والكافر ؛ فإن الكفر حطّ منزلته ووضع مرتبته.
__________________
(١) سورة البقرة ، آية ١٧٩
(٢) ليس في م.
(٣) هنا في هامش م : مسألة قتل الحر بالعبد.
(٤) ليس في م.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
