مات عبدا والقصاص لسيده. ومنهم من قال : مات حرّا ويدفع من ماله كتابته لسيده ، ويرث ماله بقية ورثته ، ويرثون قصاصه ، فانتصب اختلافهم في المستحق شبهة في درك القصاص.
وهذا الفقه صحيح ؛ وذلك أنّ الإيجاب حكم ، والاستيفاء حكم آخر مغاير له ، وأسبابهما تختلف ؛ وإذا اختلفا سببا واختلفا ذاتا كيف يصحّ لمحق أن ينكر انفراد أحدهما عن الآخر؟ بل هنالك أغرب من هذا ؛ وهو أنّ الوجوب حكم والاستقرار حكم آخر ؛ فإن الصداق يجب بالعقد ، ولا يستقرّ إلا بالوطء ؛ إذ يتطرّق السقوط إلى جميعه قبل الوطء بالردة ، وإلى نصفه بالطلاق.
وقد انبنى على هذا الأصل أحكام كثيرة من الزكاة ، إذا كان الصداق ماشية وغيرها ؛ فإذا كان الاستقرار ـ وهو وصف الوجوب حكما ـ انفرد عن الوجوب بانفراد الاستيفاء منه وهو غيره أصلا وصفة فذلك أولى.
وأما قول الطبري : من الذي أوجب عليه؟ ولمن وجب؟
فيقال له : نقصك قسم ثالث عدلت عنه أو تعمّدت تركه تلبيسا : وهو أن يجب للأمة ـ وهي الزوج (١) ـ على العبد الذي تزوجها ، كما تجب عليه النفقة لها.
فإن قال : ليست الأمة أهلا للملك ولا للتمليك.
قلنا : لا نسلّم ؛ بل العبد أهل للملك والتمليك. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف تخليصا وتخليصا وإنصافا ، وحققنا في الكتب الثلاثة أنّ علة الملك الحياة والآدمية ، وإنما انغمر وصف العبد بالرقّ للسيد ، ولكن العلّة باقية ، والحكم قد يتركب عليها مع وجود الغامر لها. وكيف لا تملك الأمة والله تعالى يقول في الإماء (٢) : (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) ، فأضاف الأجور إليهن إضافة تمليك؟
وأما قوله : إن العقد كما يقتضى الإيجاب كذلك [الملك] (٣) يقتضى الإسقاط.
قلنا له : فذكر على كل واحد مقتضاه (٤) أوجب بالعقد وأسقط بالملك ووفر على كلّ سبب حكمه كما فعلنا في شراء القريب.
__________________
(١) الزوج : البعل ، والزوج ـ أيضا : ويقال لها زوجة أيضا (مختار الصحاح).
(٢) سورة النساء ، آية ٢٤
(٣) ليست في ل.
(٤) في ل : نوفر عن كل أحد مقتضاه.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
