وروى معدان بن أبى طلحة قال : خطب عمر بن الخطاب يوم الجمعة فقال : إنى لا أدع بعدي شيئا هو أهمّ عندي من الكلالة. وفي رواية : أهمّ عندي من الجد والكلالة ، وما راجعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري ، وقال : يا عمر ؛ أما تكفيك آية الصيف ، يعنى الآية التي في آخر سورة النساء. قال : وإن أعش أقض فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن.
فإذا كان هذا أمرا وقف في وجه عمر فمتى يسفر لنا عنه وجه النظر؟
لكن الآن نرد في اقتحام هذا الوعر (١) بنيّة وعلم ، فنقول فيهما والله الموفق المنعم : إن الكلالة وإن كانت معروفة لغة متواردة على معان متماثلة ومتضادّة فعلينا أن نتبصّر مواردها في الشريعة فنقول :
وردت في آيتين : إحداهما هذه ، والأخرى التي في آخر سورة النساء كما تقدّم ، فأما هذه فهي التي لا ولد فيها ولا والد وفيها إخوة لأم. وأما التي في آخر سورة النساء فهي التي لا ولد ذكرا فيها ، وهم إخوة لأب وأم أو إخوة لأب أو أخوات لأب وأم وجدّ ، فجاءت هذه الآية لبيان حال الإخوة من الأم ، وجاءت في آخر سورة النساء لبيان إخوة الأعيان والعلّات حتى يقع البيان بجميع الأقسام ، ولو شاء ربك لجمعه وشرحه.
وكان عمر يطلب من النبىّ صلّى الله عليه وسلّم النصّ القاطع للعذر ، وهو عليه السلام يحمله على البيان الواقع مع الإطلاق الذي وكل فيه إلى الاجتهاد بالأخذ من اللغة ومقاطع القول ومرابط البيان ومفاصله.
وهذا نصّ في جواز الاجتهاد ، ونصّ في التكلّم بالرأى المستفاد عند النظر الصائب.
وإذا ثبت فيه النظر فإنّه يصحّ في ذلك أنّ معنى الكلالة من «كلّ» أى بعد ، ومن «تكلل» أى أحاط على معنيين :
أحدهما ـ أن يكون على معنى السلب (٢) ، كما يقال فاز في المفازة أى انتفى له الفوز.
والثاني ـ أن الإحاطة وجدت مع فقد السبب الذي يقتضى الإحاطة وهو قرب النسب.
__________________
(١) في ا : الوعد ، وهو تحريف.
(٢) يريد النفي.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
