تطهّرن (١) في أكثر الحيض ، واعتبار قوله : يطهر في الأقل.
قلنا : نحن وإن كنا قد حملناهما على معنى واحد فقد وجدنا لذلك مثالا في القرآن والسنة ، وحفظنا نطق الآية ولم نخصه (٢) ، وحفظنا الأدلة فلم ننقضها ؛ فكان تأويلنا يترتّب على هذه الأصول الثلاثة ؛ فهو أولى من تأويل آخر يخرج عنها.
جواب آخر ـ وذلك أنّ ما ذكرتموه من الجمع يقتضى إباحة الوطء عند انقطاع الدم للأكثر ، وما قلنا يقتضى الحظر ؛ وإذا تعارض باعث الحظر وباعث الحظر وباعث الإباحة غلّب باعث الحظر ، كما قال عثمان وعلىّ رضى الله عنهما في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أحلّتهما آية وحرّمتهما آية ، والتحريم أولى.
فإن قيل : قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) ، ثم قال : (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، وهو زمان الحيض ، ومتى انقطع الدّم لدون أكثر الحيض فالزمان باق ، فبقى النهى ، وهذا اعتراض أبى الحسن القدورى.
أجاب القاضي أبو الطيب الطبري فقال : [المحيض] (٣) هو الحيض بعينه ، بدليل أنه يقال : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ، فلا يكون لهم فيه حجّة.
وأجاب عنه أبو إسحاق الشيرازي بأن قال : أراد بقوله : المحيض نفس الحيض ، بدليل قوله تعالى : (قُلْ هُوَ أَذىً).
فإن قيل : بهذا نحتجّ ؛ فإنه إذا زال الدم زال الأذى ؛ فجاز الوطء ؛ فإنّ الحكم إذا ثبت لعلّة زال بزوالها.
قلنا : هذا ينتقض بما إذا انقطع الدم لأقلّ الحيض ؛ فإنه زالت العلة ولم يزل الحكم ؛ وذلك لفقه ؛ وهو أن الله تعالى بيّن علّة التحريم ، وهو وجود الأذى ، ثم لم يربط زوال الحكم بزوال العلة حتى ضمّ إليه شرطا آخر ، وهو الغسل بالماء ؛ وذلك في الشرع كثير.
وأما طاوس ومجاهد فالكلام معهما سهل ؛ لأنه (٤) خلاف لظاهر القرآن على القولين جميعا ، وهما تفسير الطهر بالانقطاع أو الاغتسال ؛ ولذلك حملنا قوله تعالى (٥) : (فَاطَّهَّرُوا)
__________________
(١) في ا : حتى يطهرن ، والمثبت من ل.
(٢) في ل : ولم نخصص به.
(٣) ليس في ل.
(٤) في ل : ولا خلاف لظاهر القرآن.
(٥) سورة المائدة ، آية ٦
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
