وأمّا إن تمكّنت من ماله بما ليس من جنس مالك فاختلف العلماء ؛ فمنهم من قال : لا يؤخذ إلّا بحكم حاكم ، ومنهم من قال : يتحرّى (١) قيمته ويأخذ مقدار ذلك ، وهو الصحيح عندي.
وأما إن أخذ عرضك (٢) فخذ عرضه لا تتعدّاه إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه. لكن ليس لك أن تكذب عليه ، وإن كذب عليك ، فإنّ المعصية لا تقابل بالمعصية ؛ فلو قال لك مثلا : يا كافر ، جاز لك أن تقول له : أنت الكافر ؛ وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول : يا كذّاب ، يا شاهد زور. ولو قلت له : يا زان ، كنت كاذبا فأثمت في الكذب ، وأخذت فيما نسب إليك من ذلك ، فلم [٦٠] تربح شيئا ، وربما خسرت. وإن مطلك وهو غنىّ دون عذر قل : يا ظالم ، يا آكل أموال الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح : لىّ الواجد (٣) يحلّ عرضه وعقوبته. أما عرضه فبما فسرناه ، وأما عقوبته فبالسجن حتى يؤدّى.
وعندي أن العقوبة هي أخذ المال كما أخذ ماله ، وأما إن جحدك وديعة وقد استودعك أخرى فاختلف العلماء فيه ؛ فمنهم من قال : اصبر على ظلمه ، وأدّ إليه أمانته ، لقول النبىّ صلى الله عليه وسلم (٤) : أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك.
ومنهم من قال : أجحده ، كما جحدك ؛ لكن هذا لم يصح سنده ، ولو صح فله معنى صحيح ، وهو إذا أودعك مائة وأودعته خمسين فجحد الخمسين فاجحده خمسين مثلها ، فإن جحدت المائة كنت قد خنت من خانك فيما لم يخنك فيه ، وهو المنهىّ عنه. وبهذا الأخير أقول. والله أعلم.
المسألة الثانية ـ قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ).
هذه الآية عموم متّفق عليه وعمدة فيما تقدم بيانه وفيما جانسه.
المسألة الثالثة ـ قوله تعالى : (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ).
هذه مسألة بكر. قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما سمّى الفعل الثاني اعتداء ، وهو مفعول بحقّ ، حملا للثاني على الأول على عادة العرب. قالوا : وعلى هذا جاء قوله تعالى(٥): (وَجَزاءُ
__________________
(١) في ا : تحرى. والمثبت من ل.
(٢) هنا في هامش م : مسألة فيمن أخذ عرض رجل هل له أن يأخذ عرضه.
(٣) اللى : المطل. الواجد : القادر على قضاء دينه.
(٤) خرجه الدارقطني وغيره.
(٥) سورة الشورى ، آية ٤٠
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
