إلى غاية هي الإيمان ؛ فلذلك قال ابن الماجشون وابن وهب : لا تقبل من مشركي العرب جزية.
وقال سائر علمائنا : تؤخذ الجزية من كلّ كافر ؛ وهو الصحيح.
وسمعت الشيخ الإمام أبا على الرفاء بن عقيل الحنبلي إمامهم ببغداد يقول في قوله تعالى (١) : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ [٥٩] ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) : إنّ قوله تعالى : «قاتلوا» أمر بالقتل. وقوله تعالى : (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) سبب للقتال. وقوله تعالى : (وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلزام للإيمان بالبعث الثابت بالدليل. وقوله تعالى : (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ) بيان أنّ فروع الشريعة كأصولها وأحكامها كعقائدها. وقوله تعالى : (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ) أمر بخلع الأديان كلها إلّا دين الإسلام. وقوله تعالى : (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) تأكيد للحجة ، ثم بيّن الغاية وبيّن إعطاء الجزية. وثبت أن النبىّ صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. خرّجه البخاري وغيره.
وقال المغيرة بن شعبة في قتاله لفارس : إن النبىّ صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، أو تؤدّوا الجزية ـ وقال النبىّ عليه السلام لبريدة (٢) : ادعهم إلى ثلاث خصال ... وذكر الجزية. وذلك كلّه صحيح.
فإن قيل : فهل يكون هذا نسخا أو تخصيصا؟ قلنا : هو تخصيص ؛ لأنه سبحانه أباح قتالهم وأمر به حتى لا يكون كفر. ثم قال تعالى : (حَتَّى يُعْطُوا) (٣) (الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) ؛ فخصّص من الحالة العامة حالة أخرى خاصة ، وزاد إلى الغاية الأولى غاية أخرى ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله.
وقال في حديث آخر : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. ثم ذكر في حديث آخر الصوم والحجّ ، ولم يكن ذلك نسخا ، وإنما كان بيانا وكمالا. وكذلك لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد
__________________
(١) سورة التوبة ، آية ٢٩
(٢) هكذا في ا ، ول : وفي م : يزيد.
(٣) يعطوا : يؤدوا ويقدموا.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
