المسألة الرابعة ـ لما أقام النبىّ صلى الله عليه وسلم يدعو عشرة أعوام أو ثلاثة عشر عاما أو خمسة عشر عاما على اختلاف الروايات في مدّة مقامه بمكة ، ثم تعيّن القتال بعد ذلك ، سقط فرض الدعوة إلّا على الذين لم تبلغهم ، وبقيت مستحبّة. فأما الآن فقد بلغت الدعوة وعمّت وظهر العناد ، ولكن الاستحباب لا ينقطع.
روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ادعهم إلى ثلاث خصال ، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فذكر الدعاء إلى الشهادة ، ثم إلى الهجرة أو إلى الجزية ، وهذا إنما كان بعد نزول آية الجزية ؛ وذلك بعد الفتح.
وصحّ أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم أغار على بنى المصطلق من خزاعة وهم غارّون فقتل وسبى ، فعلم صلى الله عليه وسلم [٥٦] الجائز والمستحب.
المسألة الخامسة ـ قوله تعالى : (وَلا تَعْتَدُوا). فيها ثلاثة أوجه :
أحدها ـ لا تقتلوا من لم يقاتل ، وعلى هذا تكون الآية منسوخة بقوله تعالى : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) ، و (١) (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).
الثاني ـ أنّ معنى قوله تعالى : (وَلا تَعْتَدُوا) ؛ أى لا تقاتلوا على غير الدين ، كما قال تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ؛ يعنى دينا.
الثالث ـ ألا يقاتل إلّا من قاتل ، وهم الرجال البالغون ؛ فأما النساء والولدان والرهبان [والحشوة] (٢) فلا يقتلون ؛ وبذلك أمر أبو بكر الصديق رضى الله عنه يزيد بن أبى سفيان حين أرسله إلى الشام إلّا أن يكون لهؤلاء إذاية. وفيه (٣) ستّ صور :
الأولى ـ النساء (٤) ، قال علماؤنا : لا تقتلوا النساء إلّا أن يقاتلن ؛ لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهن. خرّجه البخارىّ ومسلم والأئمة ، وهذا ما لم يقاتلن ، فإن قاتلن قتلن. قال سحنون : في حالة المقاتلة.
والصحيح جواز قتلهن ، إذا قاتلن على الإطلاق في حالة المقاتلة وبعدها لعموم قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ، وقوله تعالى (٥) : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) ،
__________________
(١ ـ ٢) ليس في م.
(٣) في ا : وفهم ست صور ، وهو تحريف.
(٤) في هامش م هنا : مسألة في قتل النساء.
(٥) سورة البقرة ، آية ١٩١
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
