نهي عن الدخول في غمارهم ، وقطع بأن ذلك يوجب الغرق على الطريق البرهاني كما قدمنا ، وكأنه عليهالسلام حمل مقاولته على غير المكابرة والتعنت لغلبة المحبة وذهوله عن إعطاء التأمل حقه فلذلك طلب ما طلب ، فعوتب بأن مثله في معرض الإرشاد والقيام بأعباء الدعوة تلك المدة المتطاولة لا ينبغي أن يشتبه عليه كلام المسترشد والمعاند ، ويرجع هذا إلى ترك الأولى ، وهو المراد بقوله : (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ).
وذكر شيخ الإسلام أن اعتزاله قصده الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جواز أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفلك ، وزعمه أن الجبل أيضا يجري مجراه أو لكراهة الاحتباس في الفلك بل قوله : (سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ) بعد ما قال له نوح (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) ربما يطعمه عليهالسلام في إيمانه حيث لم يقل أكون معهم أو سنأوي أو يعصمنا فإن إفراد نفسه بنسبة الفعلين المذكورين ربما يشعر بانفراده من الكافرين واعتزاله عنهم وامتثاله ببعض ما أمره به نوح عليهالسلام إلا أنه عليهالسلام لو تأمل في شأنه حق التأمل وتفحص عن أحواله في كل ما يأتي وما يذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه مستثنى من أهله ولذلك قيل له : (إِنِّي) إلخ ، وهو ظاهر في أن مدار العتاب الاشتباه كما ذكرنا ، وإليه ذهب الزمخشري قال : إن الله تعالى قدم إليه عليهالسلام الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم فكان عليه أن يعتقد أن في الجملة من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح وأن كلهم ليسوا بناجين وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه ، وكأنه أراد أن الاستثناء دل على أن المعنى المعتبر الصلاح لا القرابة فكان ينبغي أن يجعله الأصل ويتفحص في الأهل عن وجوده ، وأن يجعل كلهم سواسية في استحقاق العذاب إلا من علم صلاحه وإيمانه لا أن يجعل كونه من الأهل أصلا فيسأل إنجاءه مع الشك في إيمانه فقد قصر فيما كان عليه بعض التقصير وأولي العزم مؤاخذون بالنقير والقطمير وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، وابن المنير لم يرض كون ذلك عتابا قال : وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه يعتقد أن نوحا عليهالسلام صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه ومعاتبته على ذلك وليس الأمر كما تخيله ، ثم قال : ونحن نوضح أن الحق في الآية منزلا على نصها مع تبرئة نوح عليهالسلام مما توهم الزمخشري نسبته إليه فنقول : لما وعد عليهالسلام بتنجية أهله إلا من سبق عليه القول منهم ولم يكن كاشفا لحال ابنه ولا مطلعا على باطن أمره بل كان معتقدا بظاهر الحال أنه مؤمن بقي على التمسك بصيغة العموم للأهلية الثابتة ولم يعارضها يقين في كفر ابنه حتى يخرج من الأهل ويدخل في المستثنين فسأل الله تعالى فيه بناء على ذلك فبين له أنه في علمه من المستثنين وأنه هو لا علم له بذلك فلذلك سأل فيه ، وهذا بأن يكون إقامة عذر أولى منه من أن يكون عتبا فإن نوحا عليهالسلام لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به غيبا ؛ وأما قوله سبحانه : (إِنِّي أَعِظُكَ) إلخ فالمراد النهي عن وقوع السؤال في المستقبل بعد أن أعلمه سبحانه باطن أمره وأنه إن وقع في المستقبل في السؤال كان من الجاهلين ، والغرض من ذلك تقديم ما يبقيه عليهالسلام على سمت العصمة ، والموعظة لا تستدعي وقوع ذنب بل المقصد منها أن لا يقع الذنب في الاستقبال ولذلك امتثل عليهالسلام ذلك واستعاذ بالله سبحانه أن يقع منه ما نهى عنه كما يدل عليه قوله سبحانه : (قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) ولا يخفى سقوطه على ما علمت وهو خلاف الظاهر جدا ، وقد جاء عن الفضيل بن عياض أنه قال : بلغني أن نوحا عليهالسلام بكى عن قول الله تعالى له ما قال أربعين يوما ، وأخرج أحمد في الزهد عن وهيب بن الورد الحضرمي قال : لما عاتب الله تعالى نوحا في ابنه وأنزل عليه (إِنِّي أَعِظُكَ) بكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه مثل الجدول من البكاء.
![روح المعاني [ ج ٦ ] روح المعاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3190_ruh-almaani-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
