أقول : يمكن أن يكون المراد بالخير في هذا السياق ما هو أعم من المال. من ما يدخل في كل ما يعتبره الإنسان خيرا لنفسه. قال ابن كثير : ثم قال تبارك وتعالى مزهدا في الدنيا ، ومرغبا في الآخرة ، ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال (أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ) أي : أفلا يعلم الإنسان إذا بعث من في القبور من الموتى ، وقال ابن كثير : أي : أخرج ما فيها من الأموات (وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ) قال النسفي : أي ميز ما فيها من الخير والشر. قال ابن عباس وغيره : يعني : أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) قال النسفي : أي : لعالم ، فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر. وخص (يومئذ) بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان ، لأن الجزاء يقع يومئذ ، وقال ابن كثير : أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء ، ولا يظلم مثقال ذرة.
كلمة في السياق :
انصب السياق على ذكر طبيعة الإنسان فهو كنود ويحب المال والمنافع الدنيوية ، وذكرت السورة علاج هاتين الصفتين ، وذلك يكون بتذكر البعث ، وما يكون فيه من تحصيل ما في الأنفس ، وعلم الله عزوجل بها ، إن هذا التذكر هو الذي يحرر الإنسان من كنوده ، وحبه الشديد للمال حتى لا يلقى الله عزوجل بأمراضه المخجلة تلك ، فإذا علم الإنسان ذلك تحرر من الكفر ، وأقبل على الإيمان والصلاة والإنفاق ، واتباع كتاب الله عزوجل ، فلا صارف يصرف عن هذه الأشياء مثل جحود نعم الله عزوجل ومحبة الدنيا ، ومن هذا الذي ذكرناه ندرك سياق السورة الخاص ، وصلتها بمحورها أي : بمقدمة سورة البقرة ، فالسورة تحرر الإنسان مما يمنعه من التحقق بصفات المتقين ، إن الجحود لنعم الله عزوجل ينتج عن الكفران الذي لا يرافقه اعتراف ولا عبودية ، ومن ثم فلا إيمان ولا صلاة ولا اتباع كتاب. وإن حب المال ينتج عنه حجب الحقوق ، وعدم الإنفاق وينتج عنه ، قبول الفتنة في أمر الإسلام.
وإن ما بين قوله تعالى في هذه السورة : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ .. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ). وبين قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) لصلة ، فمن الصوارف التي تصرف الإنسان عن قبول الإنذار شحه وحبه للدنيا.
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
