الراهن رهنه بأداء الحق فهؤلاء (فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أي : يسأل بعضهم بعضا ، أو يتساءلون فيسألون المجرمين (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) أي : ما أدخلكم فيها ، والصيغة تفيد أنه بعد التساؤل عنهم صار سؤال لهم (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أي : لم نكن مسلمين نصلي كما يصلون ، ونطعم كما يطعمون. قال ابن كثير : أي : ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ) قال النسفي : (الخوض : الشروع في الباطل ، أي : نقول الباطل والزور في آيات الله) وقال ابن كثير : أي : نتكلم فيما لا نعلم ، وقال قتادة : كلما غوى غاو غوينا معه (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) أي : بالحساب والجزاء أي : باليوم الآخر (حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) أي : الموت (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي : من الملائكة والنبيين والصالحين ؛ لأنها للمؤمنين دون الكافرين ، وفي الآية دليل لثبوت الشفاعة للمؤمنين. قال ابن كثير : أي : من كان متصفا بمثل هذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه ؛ لأن الشفاعة إنما تنجح إذا كان المحل قابلا ، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإن له النار لا محالة خالدا فيها (فَما لَهُمْ) أي : فما لهؤلاء الكفرة والأمر كذلك (عَنِ التَّذْكِرَةِ) قال النسفي : أي : عن التذكير وهو العظة أي : القرآن (مُعْرِضِينَ) أي : مولين ، وقال ابن كثير : أي : فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين. أقول : وهذا دليل على أن المراد بقوله تعالى : (وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ) وقوله تعالى : (إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ) المراد به ما رجحناه وهو القرآن ، ثم بين الله عزوجل شدة نفورهم من التذكرة (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) الحمر : جمع حمار ، ومستنفرة أي : شديدة النفار ، كأنها تطلب النفار من نفوسها (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) أي : من رماة أو أسد ، قال النسفي : شبهوا في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جرت في نفارها ، وقال ابن كثير : أي : كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه ، حمر من حمر الوحش ، إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد.
أقول : فأصبح المعنى : ما لهم والعذاب أمامهم يفرون من النذير هذا الفرار الشديد؟! ، وبعد أن بينت الفقرة خطورة أن يبعث الله نذيرا للبشر وعجبت من حال المعرضين عن النذير ووصفت شدة نفارهم ، فإنها تتجه لتبيان ماهية المعاني المستقرة في أنفسهم ، والتي تحول بينهم وبين قبول الإنذار والاستجابة للنذير.
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
