١٢ ـ (إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ...) أي يأذن لهم في الدّخول ، ويوفّقهم للأعمال الصالحة ليكونوا في (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي من تحت الأشجار تجري الأنهار (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ) أي ينتفعون بالأمتعة الدنيويّة (وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) أي ينهمكون في شهواتهم غافلين عن عواقب أمرهم كالبهائم في معالفها غافلة عما تؤول إليه عاقبة أمرها من النّحر والذّبح. (وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) أي منزل ومقام لهم.
١٣ ـ (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً ...) أي وكم من أهل قرية (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً) أي جسما وسطوة وبسطة وعدّة (مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ) أي من قريتك يا محمد وهي مكة التي أخرجك أهلها منها ومع هذه الأشدّية في قوة أولئك أهلكناهم (فَلا ناصِرَ لَهُمْ) أي لا معين يدفع عنهم العذاب والهلاك.
١٤ ـ (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ...) أي على حجّة واضحة وبرهان ساطع. (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) يعني حسّن له الشيطان المعاصي وأغواه. (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) أي انساقوا وراء شهواتهم وما يمثل إليهم طباعهم.
١٥ ـ (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ...) أي صفة أهل الجنّة الموصوفة بأنّها موعودة للمتّقين هذه المذكورة وهي (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي غير متغيّر الطعم والرّيح واللّون لعارض كمياه الدنيا (وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي بالحموضة أو غيرها لطول الزمان أو حرارة الهواء كما يحصل للبن الدّنيا (وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) أي أنّ خمور الجنّة مطربة وملذّذة ومفرّحة للشاربين ومنزّهة عن كراهة الريح وغائلة السّكر كما هو حال خمر الدنيا (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) أي من جميع الكدورات كالشمع ومدفوعات النحل وما يتصوّر فيه. (وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي من جميع ما يتصوّر وما لا يتصوّر كمّا وكيفا من أصناف الفواكه وأقسامها خالية من جميع العيوب والآفات لفواكه الدنيا (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي مضافا إلى ما ذكر أنه تعالى يكرم أهل الجنّة بستر الذّنوب وتغطيتها والتجاوز عنها. (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ؟) أي من كان في هذه النعم وهذا النعيم كمن هو دائم البقاء مؤبد في نار جهنم (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً) أي ماء في غاية الحرارة وشدّتها (فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) أي تتلاشى وتسيل بمجرّد الشرب من فرط الحرارة.
١٦ ـ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...) إلخ نزلت في المنافقين أي ومن هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من يستمع إلى قراءتك وكلامك يا محمد فإذا اخرجوا قالوا لمن صدّق بالله وبرسوله وفهم ما تلفظ به (ص) : أي شيء قال النبي الساعة. وكانوا يقولون ذلك إما استهزاء أو لإظهار عدم اهتمامهم بما قال (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) أي خلّاهم واختيارهم فتمكّن الكفر في قلوبهم فكانوا يعملون طبق ما تشتهيه أنفسهم كالبهائم.
١٧ ـ (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ...) أي أن الذين اهتدوا بما سمعوا من النبي (ص) زادهم الله أو قراء القرآن أو النبي (ص) ايمانا بلطف الله بهم (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) أي أعطاهم جزاء التقوى ، أو وفّقهم للتقوى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ) أي ما ينتظرون إلّا القيامة (أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي فجأة (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) أي ظهرت علاماتها (فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ) أي لا ينفعهم تذكّرهم وتنبّههم وندمهم حينما تجيء السّاعة فقد انسدّت أبواب التوبة والندامة.
١٩ ـ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ ...) تفريع على ما مضى ، أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكفرة فاعلم أنّه لا يبقى في العالم ذو حياة إلّا الله الذي هو موصوف بالحياة الدّائمة وبالواحديّة والوحدانيّة. وهذه كناية عن قرب موته (ص) (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) إخبار به. وقيل إن أمره بالاستغفار لتكميل النفس بإصلاح أحواله وأفعاله والتوجّه إليه تعالى دائما وفي الآية أقوال أخر (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) أمر سبحانه نبيّه بالاستغفار لهم لأنه أبو الأمّة الشفيق فأمر الله تعالى رسوله بالاستغفار لنفسه وللأمّة إمّا من باب التذكير أو من باب التعليم أو بيان كرامة المؤمنين عليه سبحانه. (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) أي منتشركم بالنّهار ومستقركم بالليل أو منصرفكم وأمكنة ذهابكم وإيابكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة من الجنّة والنّار.
