سورة الحج
مدنية ، عدد آياتها ٧٨ آية
١ ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ ...) افتتح الله سبحانه هذه السورة المباركة بتوجيه الخطاب للناس عامة من مؤمن وكافر وذكر وأنثى ، وحاضر وغائب ، وموجود بالفعل ومن سيوجد منهم وذلك بجعل بعضهم من الحاضرين وصلة إلى خطاب الكل لاتحاد الجميع بالنوع. رأفة بهم ورحمة ، فأنذرهم قائلا : (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) تجنّبوا مخالفته الموصلة لعذابه (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) أي زلزلة الأرض يوم القيامة ، أمر هائل لا يتحمل. والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحال الهائلة ، وكأنه مأخوذ بالاشتقاق الكبير من : زلّ ، بمعنى زلق تكرر للمبالغة ، والإشارة إلى تكرر الزلّة ، وهو شائع في نظائره مثل : ذب وذبذب ، ودمّ ودمدم ، وكبّ وكبكب ورفّ ورفرف وغيرها.
٢ ـ (يَوْمَ تَرَوْنَها ...) ذلك يوم القيامة بأهواله التي (تَذْهَلُ) تغفل وتتلهّى (كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) عن رضيعها وتنساه (وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها) أي كلّ امرأة حبلى ، تسقط جنينها من الفزع والحمل بالفتح الثقل المحمول في الباطن كالولد في البطن ، وبالكسر الثقل المحمول في الظاهر كحمل بعير ـ كما قال الراغب الأصبهاني ـ. (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى) من شدة الخوف (وَما هُمْ بِسُكارى) من الشراب (وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ) والذي أحدث كلّ ذلك الذّعر هو شدة عذاب الله في ذلك اليوم.
٣ ـ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...) نزلت هذه الآية الكريمة في النّضر بن الحارث الذي كان ينكر البعث والحساب ويجادل في ذلك عن جهل وهي تشمله وتشمل كلّ واحد من الناس يناقش في الأمور التي يجهلها بلا برهان. (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) أي يقلّد ويطيع كلّ متمرّد على حرمات الله.
٤ ـ (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ ...) أي سجّل في اللوح المحفوظ ، أو في علمه تعالى ، أنّ من يتّخذ الشيطان وليّا (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) يغويه (وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) ويدلّه على الطريق الموصلة لعذاب جهنّم.
٥ ـ (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ...) أي في شك من النشور للمحشر (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) فنحن أوجدناكم من التراب بالأصل يعني خلقة آدم (ع) (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي ثم خلقنا أولاد آدم من ماء قليل صاف يقذفه الذكر في رحم الأنثى (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) قطعة من الدم جامدة (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) لحم كأنه ممضوغ (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي تامة الخلقة وغير تامة. (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) لنوضح لكم بهذه الانتقالات والتبدّلات على سبيل التدرّج ، قدرتنا وحكمتنا ، (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) نبقي في أرحام الأمّهات ما نريد من الأجنّة (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى زمان معيّن هو وقت وضعه. (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) أي نخرج كل واحد منكم طفلا من بطن أمه. (ثُمَ) نربّيكم شيئا فشيئا (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) لتصلوا إلى كمال قوّتكم في العقل والجسد. وقيل الأشد هو وقت البلوغ. (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) يموت قبل بلوغ الأشد (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي إلى أسوإ العمر وأهونه عند أهله ، وهي حال الهرم والخرف. (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) أي إلى وقت لا يستفيد فيه علما بل ينسى ما كان عالما به. (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً) أي ميّتة يابسة (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ) فإذا أمطرناها بالماء تحرّكت بالنبات (وَرَبَتْ) نمت وانتفحت (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) من كل صنف من الزرع ذي رونق حسن.
