١٢ ـ (يا يَحْيى ...) انتقل سبحانه إلى خطاب يحيى وطوى ذكر الفترة الطويلة التي مضت ، فقال تعالى له : (خُذِ الْكِتابَ) أي التوراة (بِقُوَّةٍ) بعزيمة وقم بما فيها من أوامر ونواه (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) أي أعطيناه الحكمة والعقل والرشد وهو في زمن طفولته.
١٣ ـ (وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا) : أي رحمة منّا به وتعطّفا عليه آتيناه الحكم صبيّا (وَزَكاةً) أي تزكية له من الخبائث والأدناس (وَكانَ تَقِيًّا) متجنّبا للخطايا لم يهمّ بسيئة.
١٤ ـ (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ) : أي أنه كان حافظا لحق أبويه تمام الحفظ ولم يكن (جَبَّاراً) متكبّرا (عَصِيًّا) عاصيا لربّه.
١٥ ـ (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ...) إلخ أي تحية مباركة له من ربّه وأمان منذ ولادته إلى يوم القيامة.
١٦ و ١٧ ـ (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ...) بعد قصة زكريّا ويحيى (عليهماالسلام) المعجزة ، شرع سبحانه في بيان قصة عيسى ومريم (عليهماالسلام) التي هي أكبر إعجازا في عالم الخلق والقدرة. (اذْكُرْ فِي الْكِتابِ) القرآن (مَرْيَمَ) أي قصّتها (إِذِ انْتَبَذَتْ) حيث اعتزلت (مِنْ أَهْلِها) فابتعدت عن ذويها واتّخذت (مَكاناً شَرْقِيًّا) إذ أقامت في مسجد القدس ولم تزل تشتغل بالتبتّل والعبادة ، وقيل شرقي منازل أهلها (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً) جعلت بينها وبينهم سترا (فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا) فبعثنا لها جبرائيل (ع) (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) أي تصوّر بصورة آدميّ تامّ الخلق.
١٨ ـ (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ) : فمريم (ع) لمّا رأت جبرائيل (ع) في ذلك المكان قالت : اعتصمت بالله منك (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) مطيعا لله متجنّبا لما يغضبه ...
١٩ ـ (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ...) أي أنا مرسل إليك من الله تعالى (لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا) لأمنحك من الله ولدا ذكرا طاهرا من الأدناس.
٢٠ و ٢١ ـ (قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ...) كيف يكون لي ولد ، (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) والحال أنني لم يلمسني إنسان على نحو الزوجية (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أي ولم أن زانية (قالَ) جبرائيل (كَذلِكِ) أي الأمر كما تقولين ولكن (قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي خلق الولد بلا زوج هو عليه في غاية السهولة (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي علامة لهم وبرهانا على كمال قدرتنا (وَرَحْمَةً مِنَّا) على العباد يهتدون به (وَكانَ) أي إحداث الولد منك ، بلا أب كان (أَمْراً مَقْضِيًّا) مقدّرا من عنده تعالى ومحتوما ومحكوما به.
٢٢ ـ (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا) : أي حملت بعيسى (ع) واعتزلت به بعيدا عن الناس حياء من أهلها وغيرهم وكانت مدة حمله تسع ساعات.
٢٣ و ٢٤ ـ (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ...) أي ألجأها وجع الولادة إلى جذع النخلة لتستتر به وتعتمد عليه عند الوضع. (قالَتْ :) مريم (ع) عند المخاض : (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا) الأمر الذي ابتليت به ، (وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) أي شيئا حقيرا لا يذكر ولا يعبأ به. وعلى كل حال ، قال ابن عباس : فسمع جبرائيل (ع) كلامها (فَناداها مِنْ تَحْتِها) قيل : المنادي كان جبرائيل وكان أسفل منها تحت أكمة أو أن المنادي كان عيسى (ع) (أَلَّا تَحْزَنِي) أي لا تغتمي (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) أي جعل تحت قدميك جدول ماء عذب تشربين منه وتتطهّرين.
٢٥ ـ (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ...) أي حرّكيها واجذبيها إلى نفسك. (تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) أي تنزل عليك رطب التّمر اليانعة السهلة الاجتناء.
