٨٢ ـ (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ...) أي : فحين نزل أمرنا بإيقاع الهلاك ، (جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) قلبناها ، أعني القرية التي كانت تعمل الخبائث ، (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً) أي أنزلنا على أهل القرية حجارة من السماء تغليظا لعقوبتهم. (مِنْ سِجِّيلٍ) أي من طين الأرض الشديد الصلابة وقيل : كما في المجمع : السجّيل : بمعنى السجّين وهو النار. وقال الراغب : هو حجر وطين مختلط ، وأصله فيما قيل فارسي معرّب. يشير إلى أن أصله : سنك كل ، وقيل إنه : مأخوذ من السجلّ بمعنى الكتاب ، كأنها كتب فيها ما فيها من عمل الهلاك ، وقيل : مأخوذ من أسجلت بمعنى أرسلت. (مَنْضُودٍ) مرتّب الحروف والصقل.
٨٣ ـ (مُسَوَّمَةً ...) أي معلمة موسومة معدّة للعذاب (عِنْدَ رَبِّكَ) أي في علمه (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) أي : وليست تلك الحجارة بعيدة عن إصابة الظالمين من أمتك يا محمد وغيرهم. وهي مسوقة للتهديد. وقد ورد في تفسير القمي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى : وأمطرنا ... إلخ قال : ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل لوط إلا رماه الله جندلة من تلك الحجارة تكون منيته فيه ، ولكن الخلق لا يرونه.
٨٤ ـ (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ...) يعني : وأرسلنا إلى أهل مدينة مدين شعيبا. ومدين هو ابن إبراهيم (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) فسّرناه قريبا (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) أي لا تنقصوا من حقوق الناس بالتطفيف عند الكيل والوزن (إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) أي في خصب ورخص أسعار. (وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) أي : أخشى عليكم عذابا لا يفلت منه أحد.
٨٥ ـ (وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ...) أي أدّوا حقوق الناس عند الكيل أو الوزن بالعدل (وَلا تَبْخَسُوا) أي لا تنقصوا (النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) أموالهم وسلعهم (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي لا تسعوا في الفساد وتنشروه في الأرض.
٨٦ ـ (بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ...) أي ما يبقى لكم من رزق الله الحلال ، وممّا أنعم عليكم من فضله هو خير من نقص الميزان وبخس المكيال فأداء الأمانة وتوفية الحقوق من شروط الإيمان (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي ولست كفيلا بحفظكم ولا بحفظ نعم الله عليكم.
٨٧ ـ (قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ...) فقال له قومه استهزاء : هل صلاتك التي تدّعي أنها تأمر بالخير وتنهى عن الشر هي التي أمرتك (أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا؟) ودينك يأمر بأن نترك نحن دين آبائنا ويقيّد حرّيتنا في التصرف في أموالنا. (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) اللطيف بمعاملة قومك.
٨٨ ـ (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ...) فسّرنا هذا التعبير فيما مضى (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً) أي أنه مع النبوّة موسع عليّ في الرزق وكان شعيب كثير المال. (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) أي لن أدخل في شيء أنهاكم عن فعله وأنا أول العاملين بما آمركم به (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي أريد إصلاح أموركم الدنيوية والأخروية ، بحسب قدرتي عليها (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ) أي لست موفقا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا بعناية من الله ، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) يعني : أفوّض أمري إلى ربي.
