٥٨ ـ (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ...) أي أن الأرض الصالحة الخصبة يخرج نباتها بأمر الله ناميا زاكيا. (وَالَّذِي خَبُثَ) من الأرض وكان ترابها خبيثا كالسّباخ وغيرها (لا يَخْرُجُ) لا ينبت نباتها (إِلَّا نَكِداً) أي عسرا ضعيفا جافا ليس فيه نضرة ولا ينتفع به. (كَذلِكَ) أي على هذا الشكل من الخصب والجدب ، (نُصَرِّفُ الْآياتِ) نجري هذه الدلالات ونأتي بها ونرسلها وفق نظام حكيم. (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) أي للناس الذين يحمدون الله على نعمه. فما أعظم هذا المثل على ما أجراه الله من العادات وطبائع الأشياء ، إذ لو أراد وشاء لأخرج من الأرض النكدة أكثر مما يخرج من الأرض الطيبة ولأمكنه ذلك ، ولكنه لفت نظر العارفين إلى ضرورة طلب الخير من مظانه.
٥٩ ـ (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ...) حقّا نقول : أرسلنا نوحا نبيّا إلى قومه. (فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) فقد دعا قومه إلى عبادة الله وحده ثم خوّفهم من المخالفة فقال : (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ولعلّه نوّه بيوم الطوفان خاصة وبيوم القيامة عامة.
٦٠ ـ (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ...) الملأ هم الجماعة من الرجال خاصة. فقد قال جماعة نوح لنوح (ع) : نحن على يقين أنك في ذهاب عن طريق الحق ظاهر.
٦١ ـ (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ...) أجابهم (ع) بأنني لست عادلا عن الحق إلى غيره ، (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) بل أنا نبي مرسل من الله الذي يملك كل شيء.
٦٢ ـ (أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ...) أوصل ما أمرني بأدائه إليكم مع تمام الإخلاص والنصيحة (وَ) أنا (أَعْلَمُ مِنَ اللهِ) يعني من صفاته وربوبيته (ما لا تَعْلَمُونَ) أي ما لا تعرفون.
٦٣ ـ (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...) فنوح (ع) ينكر على قومه عجبهم من أن تنزل إليهم رسالة من ربّهم (عَلى رَجُلٍ) أي على بشر ، (مِنْكُمْ) مثلكم تعرفونه منذ ولد وكيف نشأ ، (لِيُنْذِرَكُمْ) أي يخوّفكم العقاب (وَلِتَتَّقُوا) تتجنّبوا الشّرك وتتركوا المعاصي ، (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي : برجاء أن يرحمكم.
٦٤ ـ (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ...) أي أن قوم نوح لم يؤمنوا بما دعاهم إليه ، فخلّصنا نوحا والذين حملهم معه في السفينة من الغرق (وَأَغْرَقْنَا) بمياه الطوفان (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) وضلوا عن دلالاتنا (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ) أي عمي القلوب عن الحق. يقال : رجل عم إن كان أعمى القلب ، ورجل أعمى في البصر ، ولذلك قال زهير : ولكنني عن علم ما في غد عم.
٦٥ ـ (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أي وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم هودا. (قالَ) لهم : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) لأنه إلهكم وخالقكم (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) فهو خالق الكون وما فيه (أَفَلا تَتَّقُونَ) استفهام أراد به التقرير ، أفلا تتجنبون غضب الله بأن تؤمنوا به.
٦٦ ـ (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ...) قد مرّ تفسير الملإ وقولهم. وقد قال هؤلاء لهود (ع) : (إِنَّا لَنَراكَ) يا هود (فِي سَفاهَةٍ) أي جهالة وخفة عقل (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) أي أنهم كذّبوه بنحو اليقين.
٦٧ ـ (قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ...) أي أنني لست جاهلا ولا مجنونا (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) بل أنا نبيّ مبعوث من قبل الله لهدايتكم.
