فوائد :
١ ـ قال الله عزوجل : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) وهذا يفيد أنّ كل شىء في السموات والأرض مسخّر للإنسان ، فالسموات مسخّرة للإنسان إذ يمتّع بها ناظريه ، ويتعرف بها على الله عزوجل ، ويروي من خلال التعرّف عليها ظمأه إلى المعرفة ، ثمّ إنّ نظام الكون مرتبط بعضه ببعض بقوانين الجاذبية ، وذلك من مظاهر تسخير السموات ، وبدون الشمس والقمر تتعذّر الحياة ، وذلك من مظاهر التسخير ، ومن النجوم تصل إلى الأرض إشعاعات ، وبالنجوم يهتدي الإنسان ، وكل ذلك نوع تسخير ، وفي عصرنا وصل الإنسان إلى القمر ، وما ندري ما ذا سيكون في المستقبل ، فهل سيصل الإنسان إلى كواكب أخرى؟ وما ندري كم سيكون في ذلك من فوائد ، وفي ذلك كله نوع تسخير ، أما تسخير كل ما في الأرض للإنسان من بحار وتراب ، وظاهر وباطن ، فهو واضح بأدنى تأمّل.
٢ ـ ذكرنا في كتابنا (الرسول) في باب المعجزة القرآنية : أن من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن أنّك تجد فيه صورا لا يمكن أن تكون وليدة البيئة العربية ، أو وليدة الفكر الإنساني ، وضربنا على ذلك أمثلة منها قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فليراجع البحث هناك.
٣ ـ يثير بعض الناس أسئلة كثيرة حول آية (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) وسبب الأسئلة أنّ الأحاديث النّبوية تذكر أنّ هذه الخمسة لا يعلمها إلا الله ، فهم يرون أنّ نزول الغيث قد يعرفه الإنسان قبيل نزوله ، وأن هناك إمكانيات لمعرفة ما في الأرحام في بعض شهور الحمل ، وبسبب من مثل ذلك يتساءلون.
أقول : إنّ توقّع نزول المطر من خلال الأعراض الجوّية لا يعتبر علما بالغيب ، وقد كان العربي منذ القديم يستطيع من خلال حاسّة الشم ، أو من خلال الفراسة في الغيوم أن يعرف قضية نزول المطر ، وهذا كله من باب العلم بالأسباب ، ولا يدخل في الآية. قال النسفي : (وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا ، على أنّه مجرد الظن والظنّ غير العلم) ، وعلى هذا فكون الإنسان قد عرف شيئا ممّا له علاقة بعالم الأسباب
![الأساس في التفسير [ ج ٨ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3154_alasas-fi-altafsir-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
