فظيعا ، أي إنهم لم يجسروا على هذا القول الفظيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو ، وفي كتابنا (الله جل جلاله) برهنا على أن هذا الطلب منهم غاية في الجهل ، لأن الله عزوجل لا يدرك في قوانين هذا العالم بالحواس ، ولكون هذه بديهة في منطق العقل ، لم يرد الله عليهم بخصوصها ، فالله عزوجل خالق المادة ، وهو بالتالي ليس مادة ، والحواس اختصاصها ببعض المادة ، ومن ثم فقد انصب الرد على الجانب الآخر ، وهو طلبهم إنزال الملائكة (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ) يوم الموت أو يوم البعث (لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) أي للكافرين (وَيَقُولُونَ) أي الملائكة للكافرين (حِجْراً مَحْجُوراً) أي حراما محرما عليكم البشرى ، أي جعل الله ذلك حراما عليكم ، إنما البشرى للمؤمنين ، أو حراما محرما عليكم الفلاح ، وبهذه الآية جاء الجواب على اقتراحهم المتعنت ، فكأن الله عزوجل قال جوابا على طلبهم : إنه في عالم غير هذا العالم ، وفي قوانين غير هذه القوانين ، ترون الملائكة ، ولكن رؤيتكم للملائكة يوم ذاك لن تكون خيرا لكم ، ولكن شرا لكم ، والسؤال لماذا بلغوا الغاية في الكبر والظلم بسؤالهم رؤية الملائكة أو رؤية الله؟ والجواب : أن بداهة العقل تحكم أن الرسول قد قامت كل الحجج على صدق رسالته ، فتعليق الإيمان على شىء آخر كبر وظلم ، فكيف إذا كان هذا الشىء الآخر مستحيلا في العادة! بحكم بداهة العقل في قوانين الحياة الدنيا ، لقد اقتضت سنة الله ألا يرى الإنسان الملائكة في الدنيا إلا في حالات يختارها الله عزوجل ولا تملى عليه ، وإذ بين الله عزوجل لهؤلاء المتعنتين سفاهة مطلبهم ، بين لهم أن رؤيتهم الملائكة تكون عند الموت ، أو عند البعث ، وأن ذلك سيكون وبالا عليهم ، أتم عرض حال هؤلاء يوم القيامة (وَقَدِمْنا) أي وعمدنا كما قال مجاهد والثوري (إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) كانوا يعتقدون أنهم فيه على شىء (فَجَعَلْناهُ هَباءً) الهباء : هو ما يرى من الكوة مع ضوء الشمس ، شبهها بالغبار (مَنْثُوراً) أي مفرقا وفي تفسير الهباء أقوال كثيرة قال ابن كثير : (وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شىء فلما عرضت على الملك الحكم العدل ، الذي لا يجور ولا يظلم ، إذا إنها لا شىء بالكلية ، وشبهت في ذلك بالشىء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شىء بالكلية ، وقد دلت الآية على أن الله عزوجل لا يقبل عملا من كافر ، ولا يعني هذا أنه لا يكافئ الكافر على الخير ، بل يكافؤه بالدنيا ؛ إما بعطاء ، أو بثناء ، وأما في الآخرة فلا يقبل عملا إلا من مؤمن ، وتعليل ذلك كما قال ابن كثير : وذلك لأنها فقدت الشرط
![الأساس في التفسير [ ج ٧ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3153_alasas-fi-altafsir-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
