تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ما زعموا ، ولهذا قال : (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) أي هذه الآلهة التي استندوا إليها من دون الله لا تستطيع نصر أنفسها (وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) أي ولا هؤلاء الآلهة المزعومة يعانون ويوفقون من الله ، وما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحور من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟ ثم قال تعالى : (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) أي إن ما الكافرون فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو من الله ، لا من مانع يمنعهم وما كلأهم الله وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا ، وإمهالا كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم ، حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك ، وهو أمل كاذب (أَفَلا يَرَوْنَ) أي كدليل على أن الأمر أمر الله ، وأن أحدا لا يمنع منه (أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ) لدولة ما (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) فنقلص سلطانهم عليها ، إدالة عليهم لدولة أخرى (أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الذين يغلبون جند الله ورسله؟ لا. بل الله ورسوله وجندهم الغالبون ، ولنا عودة على تفسير هذه الآية ، ثم أمر الله رسوله أن يقول لهم : (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) إنما أخوفكم من العذاب بالقرآن الذي هو وحي الله إلي ، فليس ما أنذركم به من عندي وليس كلاما كبقية الكلام ، بل هو كلام الله المحيط علما ، القادر القهار ، إلا أن الله أفهم رسوله صلىاللهعليهوسلم بعد أن أمره أن يقول ذلك لتقوم على الكافرين الحجة : أن هذا الكلام لا يجدي مع من أعمى الله بصيرته ، وختم على سمعه وقلبه. ولهذا قال : (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ) أي هؤلاء صم ولا يسمعون ما تدعوهم إليه (إِذا ما يُنْذَرُونَ) أي إذا ما يخوفون ، فعندهم صمم عن الإنذار ، ثم بين عزوجل أن هؤلاء على هذه الصنهجية والكبر إذا مسهم أدنى عذاب غيروا واعترفوا فالحماقة والجهل والكبر تجعلهم يستمرون على ما هم عليه : (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ) أي دفعة يسيرة ، أي أدنى شىء (مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ) معترفين (يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي ولئن مسهم من هذا الذي ينذرون به أدنى شىء لذلوا ودعوا بالويل على أنفسهم ، وأقروا حين تصاموا وأعرضوا ، فاثبت على ما أنت عليه ، وانتظر فيهم ما وعدناك ، وها هو يوم القيامة آت (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ) أي العدل (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ)
قال ابن كثير : الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه ، وقال النسفي : وإنما جمع لتعظيم شأنها (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) ولو قليلا. فلا ظلم هناك (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها) أي أحضرناها (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) أي عالمين حافظين.
![الأساس في التفسير [ ج ٧ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3153_alasas-fi-altafsir-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
