وعلامتُه غُؤُورُ العَين يُبْسُها وشُخوصُها كأنّ صاحبها ينظر الى شىء لذيذ أو يسمع خبرا سارّاً. ويكون نَفسُه كثير الانقطاع والاسترداد ، دائم التّنهُّد. ويتغيّر حاله الى فَرَح وضَحِكٍ أو الى غَمّ وبكاء ، ولا سيّما عند ذِكْر الهجر والنَّوَى. ويكون نَبضه مختلفا بلا نظام ويتغيّر نبضه وحاله عند ذكر المعشوق وخاصّه عند لقائه. ويمكن من ذلك أنْ يُستدلّ عليه اذا لم يكن معروفا ، فانّ معروفته أوّل علاجه. والحيلة في ذلك أنْ تُذكَر أسماء كثيرة مِرارا وتكون يد المُعالج على نبضه فاذا اختلفَ اختلافا كثير اوصاف كالمنقطِع عند ذكر اسم منها علمتَ أنّه اسمُ المعشوق ، ثمّ تَذكر ـ أيضا ـ الشَّكْل والمساكن والنَّسَب والبلدان وتضيف كُلًّا منها الى اسم المعشوق فاذا تغيَّر عليك النبض عند ذكر شىء منها عَرَفْتَه. فانّا قد جرَّبنا هذا. ثمّ انْ لم تجد علاجا الّا تدبير الجمع بينهما على نِحْلَة الشّريعة فَعَلْتَ ، فانّا رأينا من عاوَدَته السَّلامة وكان قد بلغ الذُّبول لشِدَّة العشق ، لمّا أحسّ بوَصْلٍ من معشوقه. فعاودته صحّته فى أقصر مدَّة قضينا بها العَجَب العُجاب ، واستدللنا على طاعة الطّبيعة للأوهام النَّفسانيّة.
وعلاجُه استعمال ما يُخْرِج السَّوداء وما يُرَطِّب ويُنَوِّم من الأغذية والأشربة. ولا شَىء كالوِصال. فانْ لم يتَّفق على الوجه الشّرعىّ فيُحتال فى تَعَشُّق غير المعشوق ممّن تحلّه الشّريعة. وانْ كان العاشق من العقلاء نفعَته النَّصيحة والعِظَة وأنّ ما به ضرباً من الجنون والوسواس ، فانّ الكلام فى هذا الباب ينفع نفعا عظيما.
قال بعضهم : العشق أوَّلُه يُصَفِّى الهَمّ ويُهَذِّب العقل ، وهذا هو الممدوح الذى حَضّ عليه بعض الحكماء فى قوله لأصحابه : اعْشِقُوا ولا تفعلوا حَراما فانّ
![الماء [ ج ٣ ] الماء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3152_kitab-almae-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
