فيه دليل على أن الوقوف بعرفة من مناسك الحج ..
وقوله : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) (١٩٩) .. قيل : معناه أنه خطاب للحمس وهم قريش ، فإنهم كانوا يقفون بالمزدلفة ، ويقف سائر الناس بعرفات ، فلما جاء الإسلام ، أمرت قريش بأن تفيض من حيث أفاض الناس ويقفوا منهم (١) ..
وقال الضحاك : إنه أراد به الوقوف بالمزدلفة ، وأن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام ، وسماه الناس ، كما سماه أمة ، لأنه بوحدته (٢) أمة كالناس ، وأكثر الناس على القول الأول ، إلا أن قول الضحاك أقوى من حيث دلالة النظم ، فإن الله تعالى قال : (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) ، فذكر الإفاضة من عرفات ، ثم أردف ذلك بقوله : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ، وثم تقتضي الترتيب لا محالة ، فعلمنا أن هذه الإفاضة ، هي بعد الإفاضة من عرفات ، وليس بعدها إفاضة ، إلا من المزدلفة وهي المشعر الحرام ، فكان حمله
__________________
ـ انظر الآلوسي والقرطبي ومفردات الراغب ، وتفسير الكشاف ج ١ ص ١٨٥.
والمشعر الحرام : هو جبل المزدلفة وسمى مشعرا لأنه معلم العبادة. ووصف بالحرام لحرمته. الفخر الرازي. ومفردات الراغب.
ونقل الفخر عن الواحدي في (البسيط) : أن المشعر الحرام هو المزدلفة ، سماها الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به ، والدعاء عنده ، ثم قال : لأن الفاء في قوله : (فَاذْكُرُوا اللهَ ... إلخ) تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الافاضة من عرفات ، وما ذاك الا بالبيتوتة بالمزدلفة أه.
(١) أنظر البخاري كتاب التفسير باب (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.
(٢) كذا في الأصل ولعلها وحده ، قال مجاهد في تفسير قوله تعالى : «أن ابراهيم كان أمة» أنه كان مؤمنا وحده ، والناس كلهم كفار فلهذا المعنى كان أمة وحده (حاشية الجمل).
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3146_ahkam-alquran-01-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
