اصطفى من البشر رسلا عنه إلى خلقه ، وجعل لهم علامات تدلّ على صدقهم ، وقد كان كتابنا (الرسول) كله نموذجا وشرحا وتطبيقا لهذه العلامات في رسالة رسولنا عليه الصلاة والسلام ، الذي لم يجعل الله قلبا كقلبه ، ولا روحا كروحه.
٢ ـ وبمناسبة قوله تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ). يذكر ابن كثير روايات متعدّدة لحديث ثم يقول فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. ونحن نجتزىء منها برواية هي :
روى عبد الرزاق عن أبي جعفر قال : سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم : أي المؤمنين أكيس؟ قال : «أكثرهم ذكرا للموت ، وأكثرهم لما بعده استعدادا» قال : وسئل النبي صلىاللهعليهوسلم عن هذه الآية (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال : «نور يقذف فيه ، فينشرح له وينفسح». قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال : «الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت». فهذه علامة إسلام المرء وعلامة إرادة الله به خيرا ، ومن تأمّل رأى ضعف هذا المعاني في عصرنا فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٣ ـ وبمناسبة قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) نقول : اختلفت عبارات المفسرين القدماء في شرح هذه الآية ، لعدم وضوح ما اتّضح في عصرنا من أمرها ، وأحقّ الحقّ فيها ما قاله ابن كثير : (وقال ابن المبارك عن ابن جريج : ضيقا حرجا بلا إله إلا الله ، حتى لا يستطيع أن تدخله ، كأنما يصّعّد في السماء من شدة ذلك عليه .... وقال السّدي : (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) من ضيق صدره). أقول : وفي هذا النصّ معجزة من أبلغ المعجزات القرآنية ، وذلك أنّه تبيّن في عصرنا أنّ الضغط الجوي يخف كلما ارتفع الإنسان في الجو حتى يتلاشى ، وأن الإنسان كلما صعد في السماء ضاق صدره حتى يصل لدرجة الاختناق ، فتشبيه الحالة المعنوية بهذه الحالة الحسية التي لم تكن معروفة يوم نزول القرآن ، ولم تعرف إلا بعد ثلاثة عشر قرنا ونيف ، إن هذا لمعجزة عظيمة تشهد على أن هذا القرآن أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض).
وإن مجىء هذه المعجزة في سياق الفقرة التي بدأت بذكر طلب الكافرين آية ، وفي سياق الفقرة التي وصفت القرآن بالتفصيل والعدل والصدق لقضية ذات دلالة.
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
