أن أمر الآيات إلى الله ، وأن الآيات عنده كثيرة ، وما أنزل فيه كفاية ولكنهّم متعنّتون ، ولذلك خاطب المؤمنين مبيّنا لهم أن الكافرين إذا جاءتهم الآيات التي يقترحونها فإنّهم لا يؤمنون ـ وذلك لأنّ سنّة الله أنّ من لم يؤمن أوّل مرّة بما أنزله الله مع قيام الحجة عليه فيه فإنّه لا يؤمن أبدا لأن الله يقلّب قلوب هؤلاء وأفئدتهم ؛ جزاء لهم على عدم الإيمان ، ولذلك فإنهم لو جاءتهم الآيات المقترحة فإنهم يرفضونها ويبقون في كفرهم وضلالهم يلعبون ويتردّدون ويتحيّرون ، ثمّ بيّن تعالى أنّه لو أجاب سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها ، فنزّل عليهم الملائكة تخبرهم بالرّسالة من الله بتصديق الرسل ، ولو بعث لهم الموتى فكلّموهم وأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ، ولو أنّه حشر عليهم الأمم فعرضت عليهم أمة بعد أمة فأخبرهم الجميع بصدق الرسل فيما جاؤوهم به ، ولو حدث هذا كله فإنّه ما كان لهم أن يؤمنوا إلا إذا شاء الله هدايتهم ، وهو إن هدى يهدي فضلا ، وإن أضل يضل عدلا. يهدي من يستحق الهداية ، ويضل من يستحق الضلال ، وذلك من آثار علمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته ، ولكنّ أكثر الخلق جاهلون بالله وبسننه ، وفي ذلك أمر للمؤمنين ألا يكونوا من الجاهلين وإذ تقررت هذه المعاني يخبر الله ـ عزوجل ـ رسوله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين بسنة من سننه هي أنّه :
ـ كما جعل لمحمد صلىاللهعليهوسلم أعداء يخالفونه ويعاندونه فقد جعل لكل نبي من قبله أيضا أعداء من شياطين الإنس والجن يلقي بعض هؤلاء إلى الآخر القول المزيّن المزخرف ، وهو المزوق الذي يغتر سامعه ـ من الجهلة ـ بأمره ، وذلك كله بقدر الله وقضائه ومشيئته. فدع يا محمد ومن اتبعك هذا القول الكاذب المزخرف الغرور وأهله.
فإن الذين لا يؤمنون بالآخرة هم الذين تميل قلوبهم وعقولهم وأسماعهم إليه ، فليرض هؤلاء هذا الزّخرف ، وليتبنّوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون ، وليعملوا ما هم عاملون ، فلهم طريق ولك ولأتباعك طريق. ومن هذا العرض عرفنا أن العلّة التي منها يبدأ الزّيغ هي الكفر بالآخرة ، فهي التي يترتّب عليها كل شر ، ومن الآيات عرفنا أنّ من يضل فلا ستحقاقه الضلال بكفره وذنبه ، وإذا استقرت هذه المعاني فإنّ الله يأمر رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يردّ على كل ما مرّ من كلام الكافرين واتجاهاتهم بالإعلان :
ـ أنه لا يقبل غير الله حكما ، وقد حكم الله له ، وعليهم بكتابه البيّن المفصّل الكامل الحجّة ، هذا الكتاب الذي يعلم المنصفون من أهل الكتاب أنّه منزّل من الله
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
