وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)(١٩)
(آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) قابلين لكل ما أعطاهم راضين به ، يعنى أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو متلقى بالقبول مرضى غير مسخوط ، لأن جميعه حسن طيب. ومنه قوله تعالى (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) أى يقبلها ويرضاها (مُحْسِنِينَ) قد أحسنوا أعمالهم ، وتفسير إحسانهم ما بعده (ما) مزيدة. والمعنى : كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جعلت قليلا ظرفا ، ولك أن تجعله صفة للمصدر ، أى : كانوا يهجعون هجوعا قليلا. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية أو موصولة ، على : كانوا قليلا من الليل هجوعهم ، أو ما يهجعون فيه. وارتفاعه بقليلا على الفاعلية (١). وفيه مبالغات لفظ الهجوع ، وهو الفرار من النوم (٢). قال :
|
قد حصت البيضة رأسى فما |
|
أطعم نوما غير تهجاع (٣) |
وقوله (قَلِيلاً) و (مِنَ اللَّيْلِ) لأن الليل وقت السبات والراحة ، وزيادة (ما) المؤكدة لذلك :
__________________
(١) ذكر الزمخشري فيه وجهين أن تكون ما زائدة وقليلا ظرف منتصب بيهجعون ، أى : كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل. أو تكون (ما) مصدرية أو موصولة على : كانوا قليلا من الليل هجوعهم. أو ما يهجعون فيه ، وارتفاعه بقليلا على الفاعلية» قال أحمد : وجوه مستقيمة خلا جعل (ما) مصدرية ، فان قليلا حينئذ واقع على الهجوع ، لأنه فاعله. وقوله (مِنَ اللَّيْلِ) لا يستقيم أن يكون صفة للقليل ولا بيانا له ، ولا يستقيم أن يكون «من» صلة المصدر لأنه تقدم عليه ، ولا كذلك على أنها موصولة ، فان قليلا حينئذ واقع على الليل ، كأنه قال : قليلا المقدار الذي كانوا يهجعون فيه من الليل ، فلا مانع أن يكون (مِنَ اللَّيْلِ) بيانا للقليل على هذا الوجه ، وهذا الذي ذكره إنما تبع فيه الزجاج. وقد رد الزمخشري أن تكون ما نفيا وقليلا منصوب بيهجعون على تقدير : كانوا ما يهجعون قليلا من الليل ، وأسند رده إلى امتناع تقدم ما في حيز النفي عليه. قلت : وفيه خلل من حيث المعنى ، فان طلب قيام جميع الليل غير مستثنى منه الهجوع وإن قل غير ثابت في الشرع ولا معهود. ثم قال : وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين ، فإذا اسحروا شرعوا في الاستغفار. كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. قال : وقوله (هُمْ) معناه : هم الأحقاء بالاستغفار دون المصرين. قال : وفي الآية مبالغات منها لفظ الهجوع وهو الخفيف الفرار من النوم. قال : وقوله : (قَلِيلاً) وقوله (مِنَ اللَّيْلِ) لأنه وقت السبات. قال : ومنها زيادة ما في بعض الوجوه. قلت : وفي عدها من المبالغة نظر ، فإنها تؤكد الهجوع وتحققه ، إلا أن يجعلها بمعنى القلة فيحتمل.
(٢) قوله «وهو الفرار من النوم» في الصحاح : الفرار بالكسر : النوم القليل اه. (ع)
|
(٣) قد حصت البيضة رأسى فما |
|
أطعم نوما غير تهجاع |
|
أسعى على جل بنى مالك |
|
كل امرئ في شأنه ساع |
لقيس بن الأسلت. وحصت : أهلكت أو حلقت ، البيضة التي تلبس على الرأس في الحرب ، أى حلقت شعر رأسى من دوام لبسها للحرب. وشبه النوم بالمطعوم لاستلذاذ مباديه على طريق المكنية ، وأطعم : أى أتناول تخييل لذلك والتهجاع : التغافل قليلا لطرد النوم ، فالاستثناء منقطع. وجلهم : مهم أمورهم ومعظمها كالغارات يدفعها عنهم. وروى : على حبل بنى مالك ، وعليه فشبه العهد بالحبل للتوثق والتوصل بكل على طريق التصريحية ، أى : أسعى في شأنى متمسكا بعهدهم ، وعلى الأول فقوله «كل امرى في شأنه ساع» فيه دلالة على إلزام نفسه بشأنهم ، وأنه شأنه
![الكشّاف [ ج ٤ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3124_alkashaf-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
