يقال : اتقاه بدرقته : استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره : (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ) كمن أمن العذاب (١) ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره : وسوء العذاب : شدّته. ومعناه : أن الإنسان إذا لقى مخوفا من المخاوف استقبله بيده ، وطلب أن يقي بها وجهه ، لأنه أعز أعضائه عليه والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ، فلا يتهيأ له أن يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره ، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل : المراد بالوجه الجملة ، وقيل : نزلت في أبى جهل. وقال لهم خزنة النار (ذُوقُوا) وبال (ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ......) (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) من الجهة التي لا يحتسبون ، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ، بينا هم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي : الذل والصغار ، كالمسخ والخسف والقتل والجلاء ، وما أشبه ذلك من نكال الله.
(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(٢٨)
(قُرْآناً عَرَبِيًّا) حال مؤكدة كقولك : جاءني زيد رجلا صالحا وإنسانا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. فإن قلت : فهلا قيل : مستقيما : أو غير معوج؟ قلت : فيه فائدتان ، إحداهما : نفى أن يكون فيه عوج قط ، كما قال : (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) والثانية : أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل : المراد بالعوج : الشك واللبس. وأنشد :
|
وقد أتاك يقين غير ذى عوج |
|
من الإله وقول غير مكذوب (٢) |
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(٢٩)
واضرب لقومك مثلا ، وقل لهم : ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم
__________________
(١) قال محمود : «معناه كمن هو آمن ، فحذف الخبر أسوة أمثله ... الخ» قال أحمد : الملقى في النار والعياذ بالله ، لم يقصد الاتقاء بوجهه ، ولكنه لم يجد ما يتقى به النار غير وجهه ، ولو وجد لفعل ، فلما لقيها بوجهه كانت حاله حال المتقى بوجهه ، فعبر عن ذلك بالاتقاء من باب المجاز التمثيلى ، والله أعلم.
(٢) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد باليقين والقول : القرآن. أو اليقين : الأسرار ، والقول : القرآن. أو اليقين : القرآن ، والقول : ما عداه من الأوامر والنواهي ، و «من الاله» متعلق بأتاك. والمعنى : أن ذاك من الشك واللبس ، ومن الكذب ، فالعوج : استعارة تصريحية.
![الكشّاف [ ج ٤ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3124_alkashaf-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
