فرس واحد أو فرسين وسبعين بعيرا يتعاقبون عليها ، يظفرون بجمع كبير تام العدة وافر العدد ، وكيف يستفحل أمر اولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير حتى تذهب شوكته كرماد اشتدت به الريح ، لو لا أمر الله وأحكام النبوة وصدق النيات؟!
٢ ـ وأخبر القرآن الكريم في غير واحدة من آياته عما يتعلق بسنن الكون ونواميس الطبيعة ، والأفلاك وغيرها مما لا سبيل إلى العلم به في بدء الإسلام ، إلا من ناحية الوحي الإلهي ، وبعض هذه القوانين وإن علم بها اليونان في تلك العصور أو غيرهم ممن لهم سابق معرفة بالعلوم ، إلا أن الجزيرة العربية كانت بعيدة عن العلم بذلك وأن فريقا مما أخبر به القرآن لم يتضح إلا بعد توفر العلوم وكثرة الاكتشافات ، وهذه الأنباء في القرآن كثيرة.
وقد أخذ القرآن بالحزم في إخباره عن هذه الأمور ، فصرّح ببعضها حيث يحسن التصريح وأشار إلى بعضها حيث تحمد الإشارة ، لأن بعض هذه الأشياء مما يستعصي على عقول أهل ذلك العصر فكان من الرشد أن نشير إليها إشارة تتضح لأهل العصور المقبلة حيث يتقدم العلم وتكثر الاكتشافات ، ومن هذه الأسرار التي كشف عنها الوحي السماوي ، ونبه عليها المتأخرون ما في قوله تعالى : (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) [الحجر : ١٩].
فقد دلت هذه الآية الكريمة على أن كل ما ينبت في الأرض له وزن خاص به ، وقد ثبت أخيرا أن كل نوع من أنواع النبات مركب من أجزاء خاصة على وزن مخصوص ، بحيث لو زيد في بعض أجزائه أو نقص لكان ذلك مركبا آخر. وأن نسبة بعضه من الدقة بحيث لا يمكن ضبطها تحقيقا بأدق الموازين المعروفة للبشر.
