لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ قلت : كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق ، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(١٤٨)
(يَعْرِفُونَهُ) يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. وعن عمر رضى الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به منى بابني. قال : ولم؟ قال : لأنى لست أشك في محمد أنه نبى. فأما ولدى ، فلعل والدته خانت ، فقبل عمر رأسه. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع. ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوما بغير إعلام. وقيل الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة. وقوله : (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام. فإن قلت : لم اختص الأبناء (١)؟ قلت : لأنّ الذكور أشهر وأعرف ، وهم لصحبة الآباء ألزم ، وبقلوبهم ألصق. وقال (فَرِيقٌ مِنْهُمْ) استثناء لمن آمن منهم ، أو لجهالهم الذين قالوا : يقال فيهم : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ). (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدإ محذوف. أى هو الحق. أو مبتدأ خبره (مِنْ رَبِّكَ) وفيه وجهان : أن تكون اللام للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق. أى : هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره. يعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه ، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. فإن قلت : إذا جعلت الحق خبر مبتدإ فما محل من ربك؟ قلت : يجوز أن يكون خبراً بعد خبر ، وأن يكون حالا. وقرأ علىّ رضى الله عنه : الحق من ربك.
__________________
(١) قال محمود رحمه الله : «إن قلت لم خص الأبناء ولم يقل أولادهم ... الخ». قال أحمد رحمه الله : بنى كلامه هذا على أن الإناث لا يدخلن في لفظ الأبناء كما يدخلن في لفظ الأولاد ، وليس الأمر كذلك ، بل اللفظان سواء في شمول الإناث ، ولذلك يدخلن في لفظ الواقف إذا وقف على بنيه وبنى بنيه ، كما يدخلن في لفظ الأولاد. هذا مذهب الامام مالك رضى الله عنه.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
