استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد. وذكر المسجد الحرام دون الكعبة : دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ) أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلى إلى القبلتين (يَعْمَلُونَ) قرئ بالياء والتاء (ما تَبِعُوا) جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط. (بِكُلِّ آيَةٍ) بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ، ما تبعوا (قِبْلَتَكَ) لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة ، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. وقرئ (بتابع قبلتهم) على الإضافة (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) يعنى أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم ، كما لا ترجى موافقتهم لك. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس. أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه ، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان ، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده. وقوله (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله وما أنت بتابع قبلتهم كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير ، بمعنى : ولئن اتبعتهم مثلا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر (إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير. واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى ، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. فإن قلت : كيف قال : (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ) (١) (قِبْلَتَهُمْ) ولهم قبلتان
__________________
ـ خلافا عن المذهب في الواجب فقيل : الجهة. وقيل : العين ، هذا مع البعد. وأما حيث تشاهد الكعبة في المسجد الحرام فمن خرج عن السمت ثم لم تصح صلاته قولا واحداً ، ثم لهم على كل واحد من القولين إشكال. أما على قول العين فيلزم أن لا تصح صلاة الصف المستقيم المستطيل زيادة على مسامتة الكعبة شرفها الله تعالى ، لأنا نعلم بالضرورة ـ وإن لم نشاهد ـ أن بعضهم يصلى إلى غير عينها ، إذ لا يفي سمتها بذلك على هذا التقدير. لكن الجواز في مثل هذا مع البعد متفق عليه. وأما على قول الجهة فيلزم تجويز صلاة الكائن في الشمال مثلا إلى الجهات الثلاث ، لأنها كلها جهات الكعبة ، والسمت غير مراعي على هذا المذهب ، وإنما جاء هذا الخبط من عدم التمييز بين مراعاة الجهة والسمت ، ولقد ميزهما أبو حامد بمثال هندسي في كتاب الأحياء فلا تطول بذكره. والتحقيق عند الفتوى : أن المعتبر مع البعد الجهة لا السمت.
(١) قال محمود رحمه الله : «إن قلت لم جاء على التوحيد وهما قبلتان ... الخ»؟ قال أحمد رحمه الله : ومثل هذا ما أجيب به عن قوله تعالى : (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ) مع أنه متعدد وهو المن والسلوى ، فقيل إنهم أرادوا أنهما من طعام الترفه ، وآثروا طعام الفلاحة والأجلاف ، فلما اتحد الطعامان المذكوران في الرفاهية جعلوهما طعاما واحداً. وهذا المعنى في إنكار الطعام أبلغ ، لأنهم لم يكتفوا في إنكاره بقولهم (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ) حتى أكدوه بقولهم (واحِدٍ) وللزمخشري عنه جواب آخر سلف بمكانه.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
