الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.
(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(٥٧)
قيل : القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم (جَهْرَةً) عيانا. وهي مصدر من قولك : جهر بالقراءة وبالدعاء ، كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية ، والذي يرى بالقلب مخافت بها ، وانتصابها على المصدر ، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس ، أو على الحال بمعنى ذوى جهرة. وقرئ «جهرة» بفتح الهاء ، وهي إمّا مصدر كالغلبة. وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال (١) وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام (٢) أو الأعراض ، فرادّوه بعد بيان
__________________
(١) قوله «أن يكون في جهة محال» هذا مذهب المعتزلة. ومن استجاز عليه الرؤية هم أهل السنة ، والجهة ليست شرطا للرؤية عندهم ، فلا يلزم كونه من جملة الأجسام أو الأعراض كما بين في علم التوحيد. (ع)
(٢) قال محمود رحمه الله : «فيه دليل على أن موسى عليه السلام رادهم القول ، وعرفهم أن رؤية من لا يجوز عليه ... الخ». قال أحمد رحمه الله : لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها ، فبنى الأمر على أن العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على الله تعالى من الرؤية على ظنه ، وأنى له ذلك وثم سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادعاه هو كل السبب. وذلك أن موسى عليه السلام لما علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية الأعراف في دار الدنيا ، فأخبره الله تعالى أنه لا يراه في الدنيا ، وصار ذلك عنده وعند بنى إسرائيل أصلا مقرراً ، كما هو عندنا الآن معاشر أهل السنة أن الله تعالى لا يرى في دار الدنيا ، لأنه أخبر أنه لا يرى والخبر واجب الصدق وكما أخبر أنه لا يرى في دار الدنيا فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في الدار الآخرة وتخصيص ذلك بالمؤمنين ، وبعد استقرار هذا المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية في الدنيا تعنتا أو شكا في الخبر ، فأنزل الله تعالى بهم تلك العقوبة. وكيف تخيل الزمخشري وشيعته أن موسى عليه السلام طلب من الله ما لا يجوز عليه. وهل هو لو كان الأمر على ما تخيل إلا كبني إسرائيل. ومعاذ الله ، لقد برأه من ذلك وكان عند الله وجيها. وأما الأدلة العقلية على جواز رؤيته تعالى عقلا والسمعية على وقوعها في الدار الآخرة ، فأكثر من أن تحصى وهي مستقصاه في فن الكلام. وإنما غرضنا في هذا الباب مباحثة الزمخشري والرد عليه من حيث يتمسك على ظنه وأخذه قوما منه. والله الموفق.
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
