(الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ) يعنى الجامع بين كونه كتابا منزلا ، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل : يعنى التوراة ، كقولك : رأيت الغيث والليث ، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونحوه قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً) يعنى الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكراً : أو التوراة. والبرهان : الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات ، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، وقيل الفرقان : انفراق البحر. وقيل : النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه ، كقوله تعالى : (يَوْمَ الْفُرْقانِ) يريد به يوم بدر. حمل قوله (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) على الظاهر وهو البخع (١). وقيل : معناه قتل بعضهم بعضا. وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه ، فلم يمكنهم المضي لأمر الله ، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها ، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم ، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم ، وقيل لهم : اصبروا ، فلعن الله من مدّ طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل ، فيقولون : آمين ، فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهرون وقالا : يا رب ، هلكت بنو إسرائيل ، البقية البقية ، فكشفت السحابة ونزلت التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم ، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت : ما الفرق بين الفاءات؟ قلت : الأولى للتسبيب لا غير ، لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم ، من قبل أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم. فيكون المعنى : فتوبوا ، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم ، والثالثة متعلقة بمحذوف ، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف ، كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإمّا أن يكون خطابا من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير : ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر ، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. ـ في أمثال العرب : أبلد من ثور ـ حتى عرضوا أنفسهم لسخط
__________________
(١) قوله «وهو البخع» في الصحاح : بخع نفسه بخعا ، أى قتلها غما. (ع)
![الكشّاف [ ج ١ ] الكشّاف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3095_alkashaf-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
