أما صاحب التسهيل ابن جزي الكلبي ذكر أن «الذي» على بابه من الإفراد. والأرجح أنه أعيد لضمير الجماعة لأنه لم يقصد ب «الذي» واحدا بعينه ، إنما المقصود التشبيه بمن استوقد نارا سواء كان واحدا أو جماعة. ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه ، لأنهم جماعة (١) :
أما سر تمثيل الجماعة بالواحد ففي ذلك وجوه :
١ ـ أنه يجوز في اللغة وضع «الذي» في موضع «الذين» كقوله تعالى : (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا)(٢) وإنما جاز ذلك لأن «الذي» وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة ، وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالا بصلته فهو حقيق بالتخفيف. لذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ، ثم كسرته ، ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين.
٢ ـ أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد به الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا.
٣ ـ أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد ، وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد وقد رجح هذا الوجه الإمام الرازي والطبري في تفسيرهما (٣).
قال الإمام الطبري في تفسيره : [أما في الموضع الذي مثل ربنا ـ جل ثناؤه ـ جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسن .. وما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في الطول وتمام الخلق بالواحد من النخيل فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما.
ومعنى الآية : مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وبما جاء به قولا وهم به مكذبون اعتقادا كمثل استضاءة الموقد نارا ،
__________________
(١) التسهيل لعلوم التنزيل ١ / ٦٦ ـ طبعة دار الكتب الحديثة ـ مصر.
(٢) سورة التوبة : (٦٩).
(٣) التفسير الكبير ٢ / ٨٢. وتفسير الطبري ١ / ١٠٨ ـ ١٠٩.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
