القول الثاني :
أما إذا كانت «من» للتبعيض فمعناه أن إرادة الظلم والإلحاد والهم بهما أقل من ارتكابهما فعلا. فتبقى عقوبة الإرادة والهم أقل من عقوبة من ظلم. ويناسب الفعل المقام في أن تأتي «من» التبعيضية في السياق فيكون إذاقته «من عذاب أليم» أي بعض أنواع العذاب الأليم.
وهذه خصوصية للحرم دون غيره من الأماكن ؛ لأن الإنسان لا يسأل عن همه وعزمه إلا في الحرم ، ويؤكد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أنه قال : «إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا اكتبها له حسنة ما لم يفعل ، فإذا عملها فأنا اكتبها له بعشرة أمثالها. وإذا تحدث بأن يفعل سيئة فأنا أغفرها ما لم يفعلها فإذا عملها فأنا اكتبها له بمثله (١).
وقد ذكر خصوصية الحرم هذه ابن عباس وغيره : فعن عبد الله قال ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ولو أن رجلا بعدن أبان همّ أن يقتل رجلا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم (٢).
فمن هنا يظهر أن كل تخيلات «سال» باطلة وتدل على جهله بالأسلوب العربي البديع وما يحويه من أسرار ودقائق.
المثال الثالث :
قال تعالى في سورة البقرة : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ..)(٣).
علق «سال» على هذه الآية بقوله : قال المفسرون : إن «الذي» بمعنى الذين واستشهدوا لذلك بشاهد من كلام العرب بل بكلام القرآن نفسه كقوله :
__________________
(١) انظر مسند الإمام أحمد ٢ / ٣١٥.
(٢) تفسير الطبري ١٧ / ١٠٤ (دار المعرفة).
(٣) سورة البقرة : ١٧.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
