هذه النقطة قد رددت عليها وبينت ما أشكل على «سال» وغيره فيها في موطن آخر من الرسالة.
القضية الخامسة :
زعمهم أن القرآن الذي يعتبره صاحبه معجزة في الفصاحة والبلاغة قد نفى بالتضمين صفة الإعجاز عن كلامه.
كما أن محمدا نفسه جاء بكلام يضاهي في فصاحته كلام القرآن كقصة سورة النجم(١).
الجواب :
هذه الافتراءات التي ذكرها «تسدال» خلاف الحقيقة والقرآن الكريم ينقضها. وقوله: [إن قائل القرآن ما كان يرى أنه معجزة] قول عار عن الصحة ، فالقرآن الكريم منذ أن نزل للعرب دعاهم للتوحيد وترك ما ورثوه من عقائد فاسدة ، فلما لم يستجيبوا سفه أحلامهم ، واستثارهم بكل عناصر التحدي واستدرجهم لحلبة الصراع فعجزوا واستسلموا قال تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(٢) فقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدا تركوا معه أحلامهم الراجحة ، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة حتى واجهوه بكل قبيح .. فلما أعجزهم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها .. وبهرهم أنهم تأملوه .. فلم يجدوا كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة ينكر شأنها ، أو يرى أن غيرها أصلح منها أو أشبه أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتساقا بهر العقول ، وأعجز الجمهور (٣) فأعلنوا له بالإذعان والاستسلام واعترف عقلاؤهم أنه مما لا يقدر عليه البشر.
__________________
(١) أسرار عن القرآن ص ٤٩.
(٢) سورة البقرة : (٢٣).
(٣) دلائل الإعجاز ـ الجرجاني ص ٣٩ ، ٥٧٩.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
