تفهمها إلا من لسان آخر. فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها ، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش ، وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس إلى الشام ، وسفر عمر بن الخطاب وسفر عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية ، غيرت بعضها بالنقص من حروفها ، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمية ، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن ، فإن جهلها عربي ما فلجهله الصريح بما في لغة غيره ، كما لم يعرف ابن عباس معنى «فاطر» إلى غير ذلك.
فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية ، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية من هذا الوجه.
وما ذهب إليه «الطبري» من أن اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد بل أحدهما أصل والأخرى فرع في الأكثر ، لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا](١).
والذي يرد مزاعم هؤلاء المستشرقين من أن العرب حافظوا على لغتهم بكل ما منحوا من براعة وقوة. وتتمثل هذه المحافظة بوسيلتين :
١ ـ بالمحافظة على العربية بحيث لا يتسرب لها ما هو بعيد عنها وأجنبي منها.
٢ ـ بالمحافظة عليها بالعناية بمفرداتها والرجوع بها لأصل اشتقاقها.
لذا لم يحتجوا بكلام إلا من سلم لسانه من اللحن والعجمة.
__________________
(١) المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ـ لابن عطية الأندلسي ١ / ٣٦ ـ ٣٧.
![آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره [ ج ٢ ] آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3088_are-almustashriqin-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
