النبات والتربة التي ينمو بها إن كانت ملحة أو غير ملحة ، أو كان ينمو على الماء ، وافتن فى ذكر ألوان الأزهار والثمار جافها وطريها ، والأوراق العريضة أو الضيقة ، كاملة الحافة أو مشرفتها.
وتتميز كتابة ابن سينا فى هذا المجال ، بأمانة العالم ، فهو ينسب الرأى لنفسه ، بقوله «أقول» أو ينسبه إلى ديسقوريدس أو غيره ، فيقول قال فلان ... وإنه ليتفق مع غيره ، فيبين أوجه الاتفاق أو يختلف معهم فى الرأى فيعرض أوجه الخلاف فى مهارة وأمانة.
ومن خير ما أورده ابن سيناء الأسماء المختلفة لبعض النباتات ، فهذا يسمى بالإغريقية كذا وذلك يسمى كذا ، كما أورد الأسماء المحلية لبعض النباتات ، فهذا النبات يسمى هنا كذا ، ويسمى هناك باسم آخر ، وهذا النبات يأتى من الهند أو من الصين ، كما فرق بين البستانى أو المنزرع والبرى ، وقال إن الأول أكثر مائية من الثاني. وتكلم ابن سينا عن ظاهرة المسانهة فى الأشجار والنخيل وغيرها ، وذلك بأن تحمل الشجرة سنة حملا ثقيلا وسنة حملا خفيفا أو تحمل سنة ولا تحمل سنة أخرى ، وأشار إلى اختلاف الرائحة والطعم فى النبات ، وهما صفتان يتمايز بهما كثير من النباتات فطن لهما ابن سينا منذ أكثر من ألف عام ، ويعتمد عليهما فى تمييز كثير من فصائل النبات وأجناسه وأنواعه ، نظرا لوجود مواد كيميائية خاصة ، كما فى نباتات الفصلية القرنية والخيمية والصليبية وغيرها ، وإذن يكون ابن سينا قد سبق «كارل متز» الذي قال بأهمية التشخيص بوساطة العصارة فى سنة ١٩٣٤. وقد اعتمد ابن سينا فى وصفه للنباتات على مصدرين رئيسيين : الأول الطبيعة ، فيصف النبات غضا طريا ، ويتكلم عن طوله وغلظه وورقه وشوكه وزهره وثمره ، مما يتفق وعلم الشكل النباتى الحديث. أما المصدر الثاني ، فهو ما يباع جافا عند العطارين من أخشاب أو قشور أو ثمار أو أزهار مما يتفق وعلم النبات الصيدلى.
على أن ابن سينا قد تناول فى كتاب الشفاء كثيرا من النظريات والآراء حول تولد النبات ، وذكره وأنثاه ، وأصل مزاجه ، فقال إن النبات قد شارك الحيوان فى الأفعال والانفعالات المتعلقة بالغذاء إيرادا على البدن وتوزيعا ، ويكون الغذاء على سبيل جذب الأعضاء منها بالقوة الطبيعية ، ليست عن شهوة جنسية ، وليس له من الغذاء إلا ما ينجذب إليه ، لا عن إرادية كالأعضاء ، فليس هناك شهوة بالحرى إن لم يعط النبات شيئا ، إذ كان لا سبيل له إلا الحرب عن ضار والطلب لنافع ، فكأنه يجعل القول فى عمليات الامتصاص وانتقال العصارة وصعودها ، وتوزيعها على أعضاء النبات المختلفة. ثم يقول ، وأبعد الناس عن الحق ، من جعل للنبات مع الحياة عقلا وفهما ، فإذا كان التصرف فى الغذاء يسمى حياة حي ، وإن كان من
