(إِنَّكَ لَعَلى) : لا يقول إن لك خلقا عظيما ، فقد يملك الإنسان أمرا ثم يفقده ، بل (إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) : ف «على» توحي بعلوه على خلقه العظيم ، علوا مؤكدا لا يزول ، كما توحيه حرفا التأكيد «إن ـ ل» فقد مزجت الخلق العظيم ذاته لحد لن تنفصل عنها ، بعصمة وعناية خاصة ربانية ، فلقد كان خلقه القرآن مزيجا بقلبه المنير ، ظاهرا في أعماله بقلبه وقالبه ، فهو هو القرآن الناطق «أنا القرآن والسبع المثاني. وروح الروح لا روح الأواني» فكيف لا تكون خلقه عظيما وقد تجلى الله لسره بأنوار أخلاقه كما يمكن للمكنات ، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فليكن هو على تمامها قبل تتميمها للناس ، فلم يبق بعد هذه البعثة الأخلاقية سفساف أخلاق أبدا إذ أبان لنا عن مصارفها كلها.
وبما أن مادة الخلق من الخلق ، فلتكن كما الخلق ، كأنها من كيان الإنسان ، مخلوقا معها ، وليست إلا بسعيه الجميل ، بين عنايتين إلهيتين ، فطرة الحق ، وتأييد الله لمن يتبنى الفطرة في استزادة من الخلق الطيبة ، ثم علوه (ص) على هذا الخلق ، كأنه يجعله أعمق من ذاته وأبقى ، كأنه هو الخلق العظيم لا غيره.
وإن سيرة الرسول الأقدس ، المجيدة ، تتجاوب تماما والثناء الفريد ، شهادة من الله ، في ميزان الله ، لعبد الله : أول العابدين (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) تتردد هذه الشهادة الإلهية في الملأ الأعلى بين النبيين والملائكة ، في كلمة لا يعرف مداها وصداها إلا قائلها ومن ألقيت عليه!
وهل يا ترى إن محمدا يفقد توازنه في هذا الثناء المجيد؟ كلا! ولأنه على خلق عظيم ، أو ترى انه تتأرجح شخصيته وتضطرب تحت وقعه ، ويتبهّج به ، وينسحق تحت ضغطه الهائل فيرضى عن نفسه ويطمئن لها وإليها فيلهو؟ كلا! ولأنه على خلق عظيم ، فمن هذا الإنسان الذي يستطيع حمل هذه الرسالة الصعبة ويتحمل أعباءها ووزرها ، إلا محمدا العظيم ، الذي هو على خلق عظيم؟ أجل : انه محمد وحده الذي يرقى إلى هذا الأفق المبين.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٩ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3058_alfurqan-fi-tafsir-alquran-29%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
