٣ ـ بروز فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع
نبتّت بهذه المواجهة فكرة التغلب وترجيح التابع على المتبوع ، أو المساواة بين التابع والمتبوع وخلق حالة من الشبهات والحيرة مع من يكون الصواب هل هو مع التابع أو مع المتبوع؟
فحجة الفاروق ان النبي قد اشتد به الوجع ، وكتابة الكتاب بمثل هذه الحالة قد تشكل خطراً. وشايع الفاروق بذلك مجموعة من الصحابة ، وهذا شك.
وحجة الطرف الآخر ان محمداً ما زال نبياً وسيبقى نبياً حتى تصعد روحه الطاهرة إلى بارئها ، وانه لا ينطق عن الهوى وهذا يقين. فترك اليقين إلى الشك غير معقول والمرض ليس مانعاً من القول.
حادثتان مشابهتان
الأولى : لقد مرض الصديق واشتد به الوجع كما يجمع على ذلك كل أتباع الملة. فلما تم لأبي بكر ما أراد من المشورة دعا عثمان خالياً ـ أي وحده ـ وقال له : اكتب أما بعد ، ثم أغمي عليه من شدة الوجع ، فكتب عثمان : فإني استخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً. فلما افاق أبو بكر من إغمائه قال لعثمان : اقرأ عليَّ فقرأ عليه ما كتب ، فقال أبو بكر : أراك خفت أن يختلف الناس إن اقتتلت نفسي في غشيتي؟ قال عثمان : نعم. قال أبو بكر : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله ) واقرها أبو بكر (١) تلك حقيقة بالاجماع.
الثانية : مرض عمر نفسه. قال طبيبه : لا أرى أن تمسي ، فما كنت فاعلاً؟ فقال لابنه عبد الله : عبد الله ناولني الكتف فمحاها ، وقال من شدة الوجع. « والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع »
__________________
(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ٤٢٩ وص ١٧٦ من نظام الحكم للقاسمي وص ٣٧ من سيرة عمر لابن الجوزي وج ٢ ص ٨٥ من تاريخ ابن خلدون وص ١٢٠ من كتابنا النظام السياسي في الإسلام.
