__________________
ورأى الرسول عليا وسط مجموعة منهن تكاد تعييهن جراحه الكثيرة ، حتى قلن لرسول الله حين رأينه : يا رسول الله! لا نعالج منه جرحا ، إلا انفتق جرح.
فاقترب الرسول من جسده المثخن ، والشجاع ، وراح يسهم في تضميده ويقول : إن رجلا لقى هذا كله في سبيل الله ، لقد أبلى وأعذر.
وانتهت معركة أحد بهزيمة المسلمين بعد أن حققوا على أرضها نصرا عظيما.
وكتب السير والتاريخ تجمع على أن الهزيمة لم تكن نتيجة لتفوق المشركين في قتالهم أو في بلائهم ، إنما كانت نتيجة خطأ ارتكبه فريق من المؤمنين ، أولئك هم الرماة الذي وكل إليهم الرسول مهمة حماية المؤخرة من فوق قمة الجبل ، وأمرهم ألا يغادروا مواقعهم مهما يكن الأمر حتى يأمرهم هو بمغادرتها ، بيد أنهم ما كادوا يبصرون قريشا تنهزم وتنسحب قواتها من المعركة مخلفة أسلابها وغنائمها ، حتى غادروا مواقعهم ونزلوا إلى أرض القتال يجمعون الغنائم والأسلاب.
هنالك ، جمع الجيش المنسحب فلوله ، وعاد حثيثا إلى المسلمين وقد انكشفت مؤخرتهم ، وفاجأهم بهجوم مباغت وعنيد.
وهكذا تحوّل النصر إلى هزيمة.
ووعى الدرس كله ، والعبرة جميعا حامل لواء المسلمين آنئذ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
لقد ازداد ساعتئذ علما بما كان علمه من قبل : وهو أن دين الله لا ينبغي أن يكون طريقا إلى دنيا وأن الذين يتقدمون ليحملوا كلمة الله ورايته ، يجب ألا يشغلهم عنها أسلاب ، ولا غنائم ، ولا أطماع ، ولا مناصب فإن هم فعلوا وكلهم الله إلى أنفسهم ، وما أعجز الأنفس حين تفقد رعاية الله وتوفيقه.
حذق علي هذا الدرس جيدا كما حذقه يومئذ أكثر الأصحاب.
وعاش علي عمره كله لا ينساه ، فغدا عند ما تأتيه الخلافة في فتن كقطع الليل المظلم ، ثم عند ما تفرض عليه تلك الصدامات المروعة مع معاوية ، ومع الخوارج ، لن ينسى درس أحد أبدا.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
