__________________
هذا لم يرغب في إهراق دمه إلا بعد يأس من إسلامه ومن تركه حرب المسلمين ، فعرض عليه أن يكف عن القتال فأنف ، وقال : إذن تتحدث العرب بفراري ، وناشده : يا عمرو ، إنك كنت تعاهد قومك ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما. قال : أجل. قال : فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى النزال. قال : ولم يا ابن أخي؟ فو الله ما أحب أن أقتلك ، فلم يكن له بدّ بعد ذلك من إحدى اثنتين : أن يقتله أو يقتل على يديه.
وعلى ما كان بينه وبين معاوية وجنوده من اللدد في العداء لم يكن ينازلهم ولا يأخذ من ثاراته وثارات أصحابه عندهم إلا بمقدار ما استحقوه في موقف الساعة : فاتفق في يوم صفين أن خرج من أصحاب معاوية رجل يسمى كريز بن الصباح الحميري فصاح بين الصفين : من يبارز؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فقتله ووقف عليه ونادى : من يبارز؟ فخرج إليه آخر فقتله وألقاه على الأول ، ثم نادى : من يبارز؟ فخرج إليه الثالث فصنع به صنيعه بصاحبه ، ثم نادى رابعة : من يبارز؟ فأحجم الناس ورجع من كان في الصف الأول إلى الصف الذي يليه ، وخاف علي أن يشيع الرعب بين صفوفه فخرج إلى ذلك الرجل المدل بشجاعته وبأسه فصرعه ثم نادى نداءه حتى أتم ثلاثة صنع بهم صنيعه بأصحابه ، ثم قال مسمعا الصفوف : يا أيها الناس! إن الله عزوجل يقول : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) ، ولو لم تبدءونا ما بدأناكم ، ثم رجع إلى مكانه.
وقد كان مدار هذا الخلق في ابن أبي طالب على ثقة أصيلة فيه لم تفارقه منذ حبا ودرج ، وقبل أن يبلغ مبلغ الرجال. فما منعته الطفولة الباكرة يوما أن يعلم إنه شيء في هذه الدنيا وإنه قوة لها جوار يركن إليه المستجير. ولقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبي عليهالسلام ينذرونه وينكرونه وهو يقلب عينه في وجوههم ويسأل عن النصير ولا نصير ، لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الذين رفعتهم الوجاهة ورفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية والخشوع.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
