__________________
أمير المؤمنين. أحسنوا نزله يعني قاتله فإن أعش ، فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا وإن أمت ، فاضربوه ضربة بضربة. ولا تمثّلوا بالرجل ، فإني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : إياكم والمثلة ، ولو بالكلب العقور.
ورجل نسك من أرفع طراز ، غزير الدمعة من خشية الله ، دائم الإخبات لله يلبس أخشن الثياب ، ويأكل أجشب الطعام ويحيا بين الناس كواحد منهم.
وكان نسكه كخليفة يتمم نسكه كعابد ، فكان يأبى إلا مشاركة الناس في كل ما ينزل بهم من ضرّ وشظف ويخص نفسه من ذلك بالنصيب الأوفى.
ولقد لخص لنا نسك خلافته وإمارته في هذه الكلمات :
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ، ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان.
والله ، لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل ، ولباب هذا البر ، ومناعم هذه الثياب.
ولكن ، هيهات أن يغلبني الهوى ، فأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرى.
هذه الومضة من حياته ومن عظمة منهجه وسلوكه ، تصور على نحو متواضع ، القضية التي نهض يقاتل من أجلها قضية استمرار عصر النبوة بكل فضائله ومزاياه ، وإنها لقضية جديرة بولاء لا ينتهى ، وتضحيات لا تفنى وهي لم تكن بالنسبة للإمام علي قضية خاصة ، ولا قضية شخصية. بل هي قضية الإسلام كله ، وقضية كل مؤمن أوّاب.
وإذا كانت الأقدار ستؤثره وأبناءه من بعده ، بأن يكونوا أعظم شهدائها وأشرف قرابينها ، فلتكن مشيئة الله. إن هناك من يموتون من أجل الباطل ، ومن يموتون في سبيل الحق ، فما مزية الحق على الباطل في مجال التضحية والفداء؟ مزيته أن ضحاياه شريفة ورفيعة وغالية بينما ضحايا الباطل صغيرة دنيئة محقرة.
فليكن هو وأبناؤه شرفا للحق في مماتهم واستشهادهم ، كما كانوا شرفا له في محياهم ، وهكذا كان من الصعب عليه ، بل من المستحيل أن يترك قضية الإسلام للأهواء التي هبّت عليه جائحة ، جامحة.
كانت المهادنة مستحيلة وكانت المسايرة أكثر استحالة. ولم يكن أمامه سوى أن
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
