__________________
|
وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن |
|
تخشى الإله وتتقي ما يحرم |
فاعلم رحمك الله أنه لا بأس بالغنى لمن اتقى ، واعلم أن الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك ، وألا يكون في حديثك فضل زيادة على عملك ، وأن تتقى الله في حديث غيرك فلا تعتزل الناس ، فلا رهبانية في الإسلام وتدبر قول الرسول صلىاللهعليهوسلم : رهبانية أمتي الجهاد. وتعلم وعلّم غيرك ، فما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا. وكفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه لغيرك ، فخذ من الدنيا ما أتاك ، وتول عما تولى عنك ، أو ليس الله تعالى يقول : (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ* فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ)؟ أو ليس الله يقول : (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ* بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ) إلى قوله تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ)؟ وقد قال تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). فظل الرجل صامتا لا يرد على الإمام. فقال : تكلم يا رجل ليعرف الناس من أنت ، فإن المرء مخبوء تحت لسانه. فقال الرجل : يا أمير المؤمنين تنهاني عن العزوف عن زينة الحياة التي أحل الله لعباده والطيبات من الرزق ، فعلام اقتصرت في مطعمك على الطعام الغليظ وفي ملبسك على الخشونة؟ وتركت قصر الإمارة ونزلت منزل أفقر أهل الكوفة؟
فضحك الإمام كرم الله وجهه ، وقال : إن الله الذي جعلني إماما لخلقه فرض علي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي ومسكني كضعفاء الناس ، لأن الله أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ، ولا يزرى بالفقير فقره. فو الله ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر ، ولو تمثل لي الفقر رجلا لقتلته ، فالفقر هو الموت الأكبر ، وإني لأعرف أن الفقر غربة في الوطن ، والغنى وطن في الغربة ، ولكني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها. والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك؟ فقلت له : اغرب عني. فعند الصباح يحمد القوم السرى. والله لأن أبيت على حسك السعدان (الشوك الحاد)
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
