__________________
لا أذل لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني ، وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معا إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ـ أي تفرح بالرغيف من شدة الحرمان وتقنع بالملح مأدوما ، أيأكل على من زاده فيهج فلا قرت إذن عينه ، إذن أصبح بعد السنين المتطاولة كالبهيمة والسائمة طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وهجرت في الليل غمضها ، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها ، وتوسدت كفها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم ، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
ثم مضى يعظهم : فاتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم وتزودوا من الدنيا في الدنيا ما تحفظون به أنفسكم غدا ، فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وأن تؤديه أيامه إلى شقوة ، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية.
وبكى وبكى معه بعض أصحابه مما يسمعون ، فنظر إليهم الإمام ، وما زالت في عينيه الدموع ، فرأى من خلال الدمع صاحبا له قد بنى دارا كبيرة فقال له : لقد اتخذت دارا واسعة ، فما تصنع بهذه الدار في الدنيا أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج. فأجابه صاحبه في حياء وندم : بلى يا أمير المؤمنين. قال الإمام : إن شئت بلغت بها الآخرة : تقرى بها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها.
وقد حسب بعض المستمعين أنه كرم الله وجهه ، يدعوهم إلى الخروج عما أحل الله من متاع الدنيا ، فترك أحدهم أهله وبنيه ، ولبس مرقعة واعتكف للعبادة ، فدعاه الإمام وقال له : أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى أن الله أحل الطيبات وهو يكره أخذك منها ، لقد علمتكم أن للمؤمن ثلاث ساعات : ساعة يناجى فيها ربه ، وساعة يرمّ معاشه ، وساعة يخلى بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل.
|
فدع التواضع في الثياب تخوفا |
|
فالله يعلم ما تجن وتكتم |
|
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة |
|
عند الإله وأنت عبد مجرم |
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
