__________________
الله عليه وسلم ، وما شبع هو وأهله من طعام قط وقد حيزت له الدنيا وما فيها ، وأنا على سنته ، ولقد سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : لا يحل للخليفة من بعدي من مال الله إلا قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يتصدق بها وحلة للصيف وحلة للشتاء ، على أنى أعيش على ما يأتيني من ينبع ، وأستغنى به عن بيت المال.
وسكت قليلا ثم تنهد وقال : كم من جامع ما سوف يتركه ، ولعله من باطل جمعه ، ومن حق منعه ، أصاب به حراما ، واحتمل به آثاما ، فناء بوزره وقدم على ربه آسفا لاهثا خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين صدق الله العظيم. ألا إنه لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا عز أعز من التقوى ، ولا معقل أحسن من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا كنز أغنى من القناعة ، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت ، والرغبة مفتاح النصب ، ومطية التعب ، والحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في الذنوب ، ألا فاعلموا أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلا بماء متع به غني ، والله تعالى سائلهم عن ذلك.
ولكم عجب الذين سمعوه وسمعوا معاوية : إن معاوية يقرب الناس إليه بما يغدق من منصب أو مال ، وبما يبذل من وعود ، أما علي فيصارح الناس بمنهجه ولا يطمعهم في عطاء لا يستحقونه ، أو في منصب لا يستأهلونه ، فالمال مال الله وهو أمين عليه ، فهو يستنفر في الرجل تقاه ، ويزهده في دنياه ، ليستغنى عن الناس بالله.
إنه ليتصدق بكل ماله الخاص ، ولا يبقى لنفسه أو لأهله إلا ما يكفيهم لما هو ضروري لاستمرار الحياة من الطعام والكساء ، وحين خوطب في هذا قال كرم الله وجهه ورضياللهعنه : الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك ، فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك! فإن تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم فإن الله تعالى سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك ، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك ، لن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب ، لن يبطئ عنك ما قدر لك. ألا وإن من البلاء الفاقة ، وأشد من الفاقة مرض البدن ، وأشد من مرض البدن مرض القلب ، ألا وإن من النعم سعة المال ، وأفضل من سعة المال صحة
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2813_ihqaq-alhaq-32%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
