__________________
قاض على جرثومة عداء ودهاء فلم يبال أن يصيبه حيث ظفر به ، ولا جناح عليه.
لقد كان رضاه من الآداب في الحرب والسلم رضا الفروسية العزيزة من جميع آدابها ومأثوراتها.
فكان يعرف العدو عدوا حيثما رفع السيف لقتاله ولكنه لا يعادي امرأة ولا رجلا موليا ولا جريحا عاجزا عن نضال ، ولا ميتا ذهبت حياته ولو ذهبت في سبيل حربه بل لعله يذكر له ماضيه يومئذ فيقف على قبره ليبكيه ويصلي عليه.
وهذه الفروسية هي التي بغضت إليه أن ينال أعداءه بالسباب وليس من دأب الفارس أن ينال أعداءه بغير الحسام.
فلما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حروبهم بصفين قال لهم : «إني أكره أن تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر ، وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به».
وربما شذ عن سنته هذه في بعض الأحايين ، فإذا به لا يشذ عنها إلا كما يشذ الفرسان حين تغلبهم بوادر اللسان ، فندر بين رجال السيف من يسمع الكلمة المغضبة فلا ينطق لسانه بكلمة عوراء يجاري بها غضبه الذي طبع على إبدائه ولم يطبع على كتمانه.
ومن قبيل هذا كلمات قالها علي في ابن العاص وفي معاوية وفي الأشعث بن قيس وغير هؤلاء ، ولكنه لم يجعلها ديدنا له كما سبوه على المنابر وأشاعوا مذمته بين أهل الأمصار.
شغب عليه الأشعث بن قيس ومرد عليه الجند وأفشى بين أنصاره الفتنة وقاطعه مرة وهو يخطب على منبر الكوفة فأغضبه وهاج غيظه فبدره بقوله : «عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين : حائك بن حائك ، منافق ابن كافر ، والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى ، فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك ، وإن امرأ ولي على قومه السيف
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2812_ihqaq-alhaq-31%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
