__________________
فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا ، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك ، وهذه أخرى قد فعلتموها إذ حلتم بين الناس وبين الماء ، والناس غير منتهين أو يشربوا ، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له ...
ثم قال راوي الخبر ما معناه : ان معاوية سأل أصحابه فأشاروا عليه أن يحول بين علي وبين المورد غير حافل بدعوته إلى السلم ولا بدعوته إلى المفاوضة في أمر الخلاف ، فأنفذ معاوية مددا إلى حراس المورد يحمونه ويصدون من يقترب منه ، ثم كان بين العسكرين تراشق بالنبل فطعن بالرماح فضرب بالسيوف حتى اقتحم أصحاب علي طريق الماء وملكوه ، وهنا الفرصة الكبرى لو شاء علي أن يهتبلها ، وأن يغلب أعداءه بالظمإ كما أرادوا أن يغلبوه به قبيل ساعة .. وقد جاء أصحابه يقولون : والله لا نسقيهموه ، فكأنما كان هو سفير معاوية وجنده إليهم يتشفع لهم ويستلين قلوبهم من أجلهم ، وصاح بهم : «خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم ، فإن الله عزوجل قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم».
ولاحت له فرصة قبل هذه الفرصة في حرب أهل البصرة ، فأبى أن يهتبلها وأغضب أعوانه إنصافا لأعدائه ،لأنه نهاهم أن يسلبوا المال ويستبيحوا السبي وهو في رأيهم حلال ، قالوا : أتراه يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم؟ فقال : «إنما القوم أمثالكم ، من صفح عنا فهو منا ونحن منه ، ومن لج حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر».
وسن لهم سنة الفروسية أو سنة النخوة حين أوصاهم ألا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يكشفوا سترا ولا يمدوا يدا إلى مال ، ومن الفرص التي أبت عليه النخوة أن يهتبلها فرصة عمرو بن العاص وهو ملقى على الأرض مكشوف السوأة لا يبالي أن يدفع عنه الموت بما حضره من وقاء.
فصدف بوجهه عنه آنفا أن يصرع رجلا يخاف الموت هذه المخافة التي لا يرضاها من منازله في مجال صراع. ولو غير علي أتيح له أن يقضي على عمرو لعلم أنه
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣١ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2812_ihqaq-alhaq-31%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
