__________________
ولقد أهدى إلى علي وفاطمة بعض الفالوذج فأطعماه أولادهما ولم يطعما منه. وقال علي وقد وضعه أمامه : إنك طيب الريح حسن اللون طيب الطعم ، لكني أكره أن أعود نفسي ما لم تعتده ، والفالوذج حلوى تصنع من الدقيق والماء والعسل.
وكان الرسول صلىاللهعليهوسلم كلما عاين زهده وورعه ، أثنى عليه ، ودعا الله له ولزوجه وبنيه .. قال له يوما : يا علي! إن الله تعالى قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله تعالى منها وهي زينة الأبرار عند الله عزوجل : الزهد في الدنيا ، فجعلك لا ترزأ (أي تصيب) من الدنيا شيئا ولا ترزأ منك الدنيا شيئا ، ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضى عنهم أتباعا ويرضونك إماما ، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب عليك ، فأما الذين أحبوك وصدقوا فيك فهم (في الآخرة) جيرانك في دارك ورفقاؤك في قصرك ، وأما الذين أبغضوك وكذبوا عليك فحق على الله أن يوقفهم موقف الكذابين.
كان عليه الصلاة والسلام عند ما يأخذ عليا وفاطمة بآداب الدين يطرح لهما السؤال فإذا وافق الجواب ما يريد أن يعلمهما إياه استحسنه ، وإلا صححه .. سأله الرسول يوما : يا علي! كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة ورغبوا في الدنيا ، وأكلوا التراث أكلا لما ، وأحبوا المال حبا جمّا؟.
قال علي : أتركهم وما اختاروا وأختار الله ورسوله والدار الآخرة ، وأصبر على مصيبات الدنيا وبلواها حتى ألحق بك إن شاء الله تعالى ، قال الرسول : صدقت ، اللهم افعل ذلك به.
وما كان زهد علي في الدنيا زهد هارب منها ، ولكنه زهد المنشغل عن إسعاد نفسه بمتاعها ، إلى إسعاد الآخرين ، ومن أجل ذلك أحب من اللباس أخشنها وهو الصوف!! وإنه في أغوار نفسه ليشعر بالرضا كلما أمكنه أن يسد حاجة لمحتاج ، ولو بكل ما عنده ، واثقا في أن الله سيعوضه خيرا .. فما هو زهد العازف عن الحياة ، ولكنها تقوى العارف بالله!
جلس في سوق المدينة المنورة ومعه ابنه الحسن وهو صغير ، ومرّ سائل مسكين ،
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٣٠ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2806_ihqaq-alhaq-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
