__________________
ألسنتهم ينطق. إن رجوا طبعا أو جفوا. وإن استغني عنهم أرجفوا. ثم يلحقون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق. عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنقوا. وإن دعوا إلى غي أسرفوا. وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل ، وتحل بهم قوارع أمر جليل. تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع ، فأولى لأولئك ثم أولى ، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر».
فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة ـ وترك المغيرة. ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة. ثم قام أبو حنيف فقال:
«يا أمير المؤمنين : إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها. أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك. فمن أبى فهذا. وسل سيفه. فقال معاوية : أنت أخطب القوم وأكرمهم».
ثم قام الأحنف بن قيس فقال :
«أنت أعلمنا بليله ونهاره ، وسره وعلانيته. فإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة. فإنه ليس لك من الآخرة إلّا ما طاب. واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما وإلى ما هما. وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا ربنا وإليك المصير».
هذا ما دبره معاوية ليولي ابنه يزيد الخلافة بعده ، وفي ذلك نقض لما شرطه عليه الحسن. وقد سمع معاوية الخطباء الذين تكلموا فمدحوا يزيد وأثنوا عليه ثناء عاطرا وطلبوا توليته لاستحقاقه. وقد أجمعوا على ذلك بناء على ايعاز سابق ، ولم يخالفهم غير الأحنف بن قيس ، وكان كما ذكرنا في الهامش من دهاة العرب وعقلائهم. فإنه دعا معاوية إلى الوفاء للحسن وصرح له أن وراء الحسن خيولا وجيادا وأذرعا شدادا وسيوفا حدادا. أي أن له شيعة قوية تسنده وتحارب من أجله. وفي هذا تهديد ووعيد. لم يرد عليه معاوية حين قال له : واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما. لم يرد عليه لأنه لم يشأ إثارة هذا الموضوع في مجتمع حافل فيه من يقدر عليا وأولاده ومن يفضل الحسن على يزيد. فأعرض معاوية عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة ٥٠ فتلقاه الناس ، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر. فلما جلسوا تكلم معاوية فقال :
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢٦ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2794_ihqaq-alhaq-26%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
