كان السّهو موجبا للتشريع ، فانّ التشريع في الأعمال الفعلية آكد وأثبت من الأقوال فما ذكر من حديث تذكر الجنابة فمن باب النسيان وفيه تشريع العمل بعد النسيان إذا تذكر ، ولهذا ترجم (١) البخاري الباب الذي ذكر فيه هذا الحديث بقوله : باب إذا ذكر في المسجد أنّه جنب يخرج كما هو ولا يتيمّم ، ولا يلزم من هذا نقص ، وما ذكر من سهو رسول الله صلىاللهعليهوآله في الصّلاة فهو سهو يتضمّن التشريع فلا بأس به ، وما ذكره من نسيانه السّهو فهذا أيضا يتضمّن التشريع لأنّه شرّع بذلك النسيان جواز وقوع الفعل المتعلّق بالصّلاة في أثناء الصلاة وكذا الكلام القليل ، والعجب أنّه قال : كيف يجوز أن يحفظ أبو بكر وعمر مانسى رسول الله صلىاللهعليهوآله وأىّ عجب في هذا؟ فان الامام كثيرا مّا يسهو والمأمومون لا يسهون ، فلا يلزم من هذا تفضيل المأموم على الامام ، وهل هذه الكلمات إلا ترّهات ومزخرفات انتهى.
أقول
قد سبق الكلام منّا أيضا على ما ارتكبه من الجواز وعلى ما استدلّ عليه من أنّ النبيّ بشر وعلى جعل السّهو والنسيان وسيلة إلى التّشريع ، واما ما خصّ هذا المقام به من أنّ التشريع في الأعمال الفعليّة آكد فممنوع بل القضية منعكسة لجواز أن يكون التشريع الفعلي مخصوصا به بخلاف الأمر القولي العام ، وبهذا يعلم ضعف ما التزم صحته من التشريعات الفعلية المتتالية ، واما قوله : لأنه شرع بذلك النسيان جواز وقوع الفعل المتعلّق بالصلاة في أثناء الصلاة ففساده ظاهر ، لأنّ ظهور تشريع النسيان لم يكن متوقفا على أن يقف النبي صلىاللهعليهوآله بعد الصلاة قائما على خشبة المسجد واضعا يديه عليها ، ثمّ يدخل الحجرة ثمّ يخرج فيسأل عنه فيجيب بأربع كلمات ثمّ يسأل عنه فيجيب بمثل الأوّل مع أنّ التكلم بكلام الآدميين والفعل الكثير مبطل
__________________
(١) في (ج ١ ص ٥٩ ط مصر) والمراد انه عنوان الباب كذا.
![إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل [ ج ٢ ] إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2705_ihqaq-alhaq-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
