١٠ ـ بل :
حرف يختلف معناه وحكمه باختلاف ما يجىء بعده من جملة أو مفرد.
ا ـ فإن دخل على جملة فهو حرف ابتداء فقط ، ومعناه إما : «الإضراب الإبطالى» ، وإما : «الإضراب الانتقالى». فالإبطالى (١) : هو الذى يقتضى نفى الحكم السابق ، فى الكلام قبل «بل» ، والقطع بأنه غير واقع ، ومدعيه كاذب ، والانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجىء بعدها. نحو : الأجرام السّماوية ثابتة ، بل الأجرام السماوية متحركة. فالحرف «بل» (بمعنى «لا» النافية) أفاد الإضراب الإبطالى الذى يقتضى نفى الثبات ونفى عدم الحركة عن الأجرام السماوية ؛ لأن هذا الثبات أمر غير حاصل ، ومن يدعيه كاذب ، فكأن المتكلم قال : (الأجرام السماوية ثابتة. لا ، فالأجرام السماوية متحركة وليست ثابتة) ؛ فأبطل الحكم الأول ونفاه ، وعرض بعده حكما جديدا. ومن الأمثلة قوله تعالى فى المشركين : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ـ سُبْحانَهُ ـ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ)، أى : بل هم (٢) عباد مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق ، ونفاه ، وأثبت حكما آخر بعده ؛ فكأن الأصل : (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لا ؛ فإن الذين اتخذهم هم عباد مكرمون). ومثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول عليه السّلام : (أم يقولون به جنّة (٣). بل جاءهم بالحق).
والانتقالىّ هو : الذى يقتضى الانتقال من غرض قبل الحرف : «بل» إلى غرض جديد بعده ، مع إبقاء الحكم السابق على حاله ، وعدم إلغاء ما يقتضيه. كقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ، بَلْ تُؤْثِرُونَ (٥) الْحَياةَ الدُّنْيا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ...)
فالغرض الذى يدور حوله الكلام قبل : «بل» هو : الطاعة ، (بالطهارة من الذنوب ، وبعبادة الله ، وبالصلاة ..) ، والغرض الجديد بعدها هو حب
__________________
(١) سبقت الإشارة إلى معناه فى رقم ١ من هامش ص ٥٩٧.
(٢) الدليل على أن الحرف : «بل» داخل على جملة اسمية ، المبتدأ فيها محذوف ـ هو : رفع كلمة : «عباد» إذ لا وجه لإعرابها وهى مرفوعة غير ما سلف ، وهو الذى يقتضيه المعنى أيضا. ومثل هذا يقال فى كلمة : «أحياء» المرفوعة فى قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً. بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ...) ، أى : بل هم أحياء.
(٣) جنون.
(٤) تطهّر.
(٥) تفضلون وتختارون.
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
