الإفراد والتذكير وفروعهما ؛ (والأغلب أن تكون صيغته ملازمة الإفراد والتذكير ، فإن كانت كذلك فى أصلها لم يجز تثنيتها ، ولا جمعها ، ولا تأنيثها ، ولا إخراجها عن وزنها الأول) (١) ... تقول : رأيت فى المحكمة قاضيا عدلا ، وشهودا صدقا ، ونظاما رضا ، وجموعا زورا (٢) بين المتقاضين ... تريد : قاضيا عادلا ـ وشهودا صادقين ، ونظاما مرضيّا ، وجموعا زائرة بين المتقاضين ...
فالمعنى على تأويل المصدر باسم مشتق كالسابق ، ويصح أن يكون على تقدير مضاف محذوف هو النعت ، ثم حذف وحلّ المصدر محله ، وأعرب نعتا مكانه. والأصل : قاضيا صاحب عدل ـ شهودا أصحاب صدق ـ نظاما داعى رضا ـ جموعا أصحاب زور ، (أى : أصحاب زيارة) ، والداعى للنعت بالمصدر مباشرة وترك المشتق ، أو المضاف المحذوف على الوجه السالف ـ أن النعت بالمصدر أبلغ وأقوى ؛ لما فيه من جعل المنعوت هو النعت. أى : هو نفس المعنى ؛ مبالغة.
وقد اختلف رأى النحاة فى وقوع المصدر نعتا ؛ أقياسىّ هو أم مقصور على السماع؟ وأكثرهم يميل إلى قصره على السماع ، مع اعترافهم بكثرته فى الكلام العربى الفصيح (٣) ، وأنه أبلغ فى أداء الغرض من المشتق (٤). وهذا الاعتراف
__________________
(١) إلا فى حالات أشهرها أن يكون المصدر مسموعا بالتأنيث أصلا ؛ نحو : رحمة ـ شفقة ـ فإن تاء التأنيث ملازمة لهما. أو أن يشيع الوصف بالمصدر ، ويشتهر استعماله نعتا ، فيجوز تثنيته وجمعه قياسا ؛ لغلبة الوصف عليه كقول الشاعر :
|
وبايعت ليلى فى الخلاء ولم يكن |
|
شهود على ليلى ، عدول مقانع |
المفرد : عدل ، بمعنى : عادل.
(٢) الزور هنا : الزيارة.
(٣) وفى مقدمته القرآن الكريم ـ ولا سيما سورة الجن ـ ومما ورد فى غيرها كلمة : «بور» ، بمعنى «هلاك» فى قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) أى : هلاكا ، بمعنى : هالكين وهو فى أصله مصدر يوصف به المفرد ، والمثنى والجمع ، والمؤنث ، والمذكر مع تأويله فى كل ذلك بالمشتق (اسم الفاعل ...) وقيل إنه جمع : «بائر» ؛ مثل : «حائل وحول» فيكون على هذا مشتقا لا مصدرا مؤولا بالمشتق. أما فى سورة الجن فقد جاء النعت بالمصدر فى قوله تعالى : (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ...) أى عجيبا ـ وكلمة ؛ «عجب» مصدر ـ وفى قوله تعالى : (ماءً غَدَقاً ..) أى كثيرا وفى كلمة : «صعدا» بمعنى صعود فى قوله تعالى : (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً.) والصّعد : هو الصعود بمعنى : المشقة ، وجاء كذلك فى قوله تعالى : فى إخوة يوسف : (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ...)
(٤) فقد قرر علماء البلاغة أن النعت بالمصدر يكون من باب : المبالغة ، أو : من مجاز ـ
![النّحو الوافي [ ج ٣ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2662_alnahw-alwafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
