بحث نفيس لابن جنى (١) ، عنوانه :
«باب فى اللغة المأخوذة قياسا»
هذا موضع كأن فى ظاهره تعجرفا ، وهو مع ذلك تحت أرجل الأحداث ممن تعلق بهذه الصناعة فضلا عن صدور الأشياخ ، وهو أكثر من أن أحصيه فى هذا الموضع لك ، لكنى أنبهك على كثير من ذلك ، لتكثر التعجب ممن تعجب منه ، أو يستبعد الأخذ به.
وذلك أنك لا تجد مختصرا من العربية إلا وهذا المعنى منه فى عدة مواضع ، ألا ترى أنهم يقولون فى وصايا الجمع : إن ما كان من الكلام على فعل فتكسيره على : أفعل ؛ ككلب وأكلب ، وكعب وأكعب ، وفرخ وأفرخ ... ، وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثى فتكسيره فى القلة على أفعال : نحو جبل وأجبال ، وعنق وأعناق ، وإبل وآبال ، وعجز وأعجاز ، وربع وأرباع ، وضلع وأضلاع ، وكبد وأكباد ، وقفل وأقفال ، وحمل وأحمال و... ؛ فليت شعرى هل قالوا هذا ليعرف وحده ، أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره؟ ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة ، بل سمعته منفردا أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسّر عليه نظيره؟ لا ، بل كنت تحمله عليه للوصية التى تقدمت لك فى بابه ، وذلك كأن يحتاج إلى تكسير : «الرّجز» الذى هو العذاب ، فكنت قائلا ـ لا محالة ـ «أرجاز» ؛ قياسا على : «أحمال». وإن لم تسمع «أرجازا» فى هذا المعنى. وكذلك لو احتجت إلى تفسير عجر ، من قولهم : «وظيف عجر (٢)» لقلت : «أعجار» ؛ قياسا على يقظ (٣) وأيقاظ ، وإن لم تسمع «أعجارا». وكذلك لو احتجت إلى تكسير : «شيع» ، بأن توقعه على
__________________
(١) من كتابه : «الخصائص» ـ ج ١ ص ٤٣٩.
(٢) الوظيف : الجزء الدقيق من ساق الإبل والخيل ، وغيرها. والعجر هنا : الصلب.
(٣) جاء فى القاموس : اليقظة ـ محركة ـ نقيض النوم. وقد يقظ ـ مثل : كرم ، وفرح ـ يقاظة ، ويقظا محركة. وقد استيقظ ... ورجل يقظ ـ على وزن : ندس ، وكتف ـ والندّس : بفتح النون ، مع سكون الدال ، أوضمها ، أو كسرها ـ الرجل السريع الاستماع للصوت الخفى.
![النّحو الوافي [ ج ٢ ] النّحو الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2660_alnahw-alwafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
